فأول ذلك وأعظمه: إظهار أن ما علمه الله وقدَّره هو كائن لا محالة كما دل عليه قوله {ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض} إلى قوله {يحذرون} [القصص: 5 - 6] وأن الحذر لا ينجي من القدر.
وثانيه: إظهار أن العلو الحق لله تعالى وللمؤمنين وأن علو فرعون لم يغننِ عنه شيئاً في دفع عواقب الجبروت والفساد ليكون ذلك عبرة لجبابرة المشركين من أهل مكة.
وثالثه: أن تمهيد القصة بعلو فرعون وفساد أعماله مشير إلى أن ذلك هو سبب الانتقام منه والأخذ بناصر المستضعفين ليحذر الجبابرة سوء عاقبة ظلمهم وليرجو الصابرون على الظلم أن تكون العاقبة لهم.
ورابعه: الإشارة إلى حكمة {وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم} [البقرة: 216] في جانب بني إسرائيل {وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم} [البقرة: 216] في جانب فرعون إذ كانوا فرحين باستخدام بني إسرائيل وتدبير قطع نسلهم.
وخامسه: أن إصابة قوم فرعون بغتة من قِبَل من أملوا منه النفع أشد عبرة للمعتبر وأوقع حسرة على المستبصر ، وأدل على أن انتقام الله يكون أعظم من انتقام العدو كما قال {فالتقطه ءال فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً} [القصص: 8] مع قوله {عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً} [القصص: 9] .
وسادسه: أنه لا يجوز بحكم التعقل أن تستأصل أمة كاملة لتوقع مفسد فيها لعدم التوازن بين المفسدتين ، ولأن الإحاطة بأفراد أمة كاملة متعذرة فلا يكون المتوقع فساده إلا في الجانب المغفول عنه من الأفراد فتحصل مفسدتان هما أخذ البريء وانفلات المجرم.
وسابعه: تعليم أن الله بالغٌ أمره بتهيئة الأسباب المفضية إليه ولو شاء الله لأهلك فرعون ومن معه بحادث سماوي ولمَا قدّر لإهلاكهم هذه الصورة المرتبة ولأنجى موسى وبني إسرائيل إنجاء أسرع ولكنه أراد أن يحصل ذلك بمشاهدة تنقلات الأحوال ابتداء من إلقاء موسى في اليمّ إلى أن رَدّه إلى أمه فتكون في ذلك عبرة للمشركين الذين