وقد يتذرع العصاة والفجرة بالقدر، يقول تعالى:''سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرّمنا من شيء''، فهذه دعواهم، ولقد أجاب القرآن عليها، ''كذلك كذّب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا، قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا، إن تتّبعون إلاّ الظنّ وإن أنتم إلاّ تخرصون''، أي (هل عندكم دليل صحيح بعد من العلم النافع فتخرجوه إلينا لننظر فيه ونتدبره والمقصود من هذا التبكيت لهم لأنه قد علم أنه لا علم عندهم يصلح للحجة ويقوم به البرهان ثم أوضح لهم أنهم ليسوا على شيء من العلم وأنهم إنما يتبعون الظنون أي ما يتبعون إلا الظن الذى هو محل الخطأ ومكان الجهل وإن أنتم إلا تخرصون أي تتوهمون مجرد توهم فقط كما يتوهم الخارص) ، فنحن لم نُكلّف بمعرفة قدر الله، فلننشغل بما كُلفنا به من أوامر ونواه معلومة متيقنة، وندع ما لم نُكلف به.
إنّ الحجة والبرهان لا تُؤدي إلى الإيمان حتما، فبعض النّاس يسير مع البرهان وبعضهم لا يسير معه. فكل النّاس شاهدوا تلك المباراة الشهيرة مع السحرة، وشاهدوا سجود السحرة وإيمانهم الصريح الثابت الواضح، ومع ذلك شاهدنا فرعون يقود جيشا منهم يُلاحق به موسى ومن معه. إذاً هناك مانع يمنع النّاس من الإيمان .. إنّه مرض في قلوبهم. قد يكون الهوى والمصلحة، أو المجاملة والمداهنة ومراعاة العرف والعادة، أو الحقد والحسد ... ولكن لن يكون ضعف الدليل أو عدمه سببا بعد أن أُقيمت الحجة وسطع البرهان. بل (لأنّ على قلبه وسمعه و بصره موانع تصد عن الفهم والقبول، وهكذا حال من غلب عليه هواه) ، وهذه حقيقة على حملة الدعوة إلى الله أن يتنبهوا لها، يقول تعالى:''ولو أنّنا نزّلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلاّ أن يشاء الله ولكنّ أكثرهم يجهلون''؛ ذلك أنّ المانع عن الإيمان سبب آخر لا يتعلق بضعف الدليل أو قوته.
رابعا: لا أثر للقاعدين على رصيف الحياة