لقد كانت السجون في عهد فرعون البائس معهودة ومعروفة منتشرة، يقول تعالى حكاية قول فرعون لموسى:''قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنّك من المسجونين''، (أي ممن عرفت حالهم في سجوني فإنّه كان يطرحهم في هوة عميقة حتى يموتوا ولذلك جعل أبلغ من لأسجننك) ، (وروي أن سجنه كان أشد من القتل، وكان إذا سجن أحدا لم يخرجه من سجنه حتى يموت فكان مخوفا) .فلمّا أفلس فرعون في باب الحجة والبرهان عدل إلى الإرهاب والقمع، وتلك علامة ضعف كما أنّها علامة استكبار عن الحق.
ولكن ورغم صعوبة السجن وقهره، وآلام العذاب بأنواعه، ورهبة الموت والقتل، فإنّ ذلك لايمنع الدعاة إلى الله من الإستمرار في حمل دعوتهم، فما عليهم إلاّ أن يتوجهوا إلى من بيده مقاليد السماوات والأرض، فرحمته وسعت كلّ شيء، فلا أحد في هذا الوجود يستطيع أن يمسك رحمة الله، (بل مشيئته هي السبب الكامل فمع وجودها لامانع ومع عدمها لا مقتضى) ، يقول تعالى:''ما يفتح الله للنّاس من رحمة فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم''.فهو سبحانه الغالب على أمره ولكنّ أكثر النّاس لا يعلمون.
المبحث الثاني
استجهال المجتمع
(الجهل ضد العلم .. واستجهله عده جاهلا واستخفّه أيضا، والتجهيل النسبة إلى الجهل، والمجهلة بوزن المرحلة الأمر الذي يحمل على الجهل) ، أي: حمل فرعون النّاس على اتباعه في الغي، فأتباع الرذيلة يودُّون لو كان النّاس كلهم مثلهم في الرذيلة، ''ودُّوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء''.أي (هم يودّون لكم الضلالة لتستووا أنتم وإياهم فيها.(والعرب تضع الضلال موضع الجهل، والجهل موضع الضلال، فتقول: قد جهل فلان الطريق وضل الطريق بمعنى واحد) ؛ ذلك أنّ الأمة التي تجهل تضل الطريق ويصير حالها إلى ضياع؛ ذلك أنّ (الجهل خلو النفس من العلم، واعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه، وفعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل) .ويكفى أن تعلم أنّ''من أشراط الساعة أن يقل العلم ويظهر الجهل''.
إنّ تجهيل المجتمع من وسائل تثبيت النّظام الذي يريده فرعون؛ فشخصية فرعون مرتبطة بالنّظام المطبق في حياة النّاس وجودا وعدما. فمن هنا وعلى أساس هذا الفهم كانت سياسة