ثالثا: الإجرام. فهم قوم اعتادوا ارتكاب الجرائم والذنوب، يقول تعالى:''ولقد فتنّا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم، أن أدّوا إليّ عباد الله إنّي لكم رسول أمين، وأن لا تعلوا على الله إنّي آتيكم بسلطان مبين، وإنّي عذت بربي وربكم أن ترجمون، وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون، فدعا ربّه أنّ هؤلاء قوم مجرمون''.والمعنى أنّه (دعا ربه - بعدما كذبوه - أنّ هؤلاء قوم مجرمون، وهو تعريض بالدعاء عليهم بذكر ما استوجبوه به، ولذلك سّماه دعاء) ، أو (فيه حذف، أي فكفروا فدعا ربه أنّ هؤلاء قوم مجرمون أي مشركون، قد امتنعوا من إطلاق بني إسرائيل ومن الإيمان بالله) .وكان ذلك بعدما (طال مقامه صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، وأقام حجج الله تعالى عليهم، كلّ ذلك وما زادهم ذلك إلا كفرا وعنادا، حينئذ دعا ربه عليهم دعوة نفذت فيهم) .
رابعا: السحرة
لقد ساهم السحرة في انحراف فرعون وإظهار شخصيته، حيث كان الفراعنة يعتمدون في وثنيتهم على الكهنة والسحرة، بل نستطيع القول أنّ السحرة كانوا يمثلون المرتبة الأولى في طبقة الكهنة، في واقع انتشر فيه السحر إنتشارا واسعا، وممّا يؤيّد هذا (أنّ معجزة كل رسول موافقة للأغلب من أحوال عصره والشائع المنتشر في ناس دهره، لأنّ موسى عليه السلام حين بعث في عصر السحرة خص من فلق البحر يبسا وقلب العصا حية، ما بهر كل ساحر وأذل كل كافر) .
ويظهر هذا في شواهد عديدة منها قول فرعون:''فلنأتينّك بسحر مثله''.أي (لنعارضنّ ما جئت به، ليتبين للنّاس أن ما أتيت به ليس من عند الله) ، وإنّما هو سحر يقدر على مثله الساحر، حيث تصور فرعون أن كل ما لدى موسى هو سحر وسوف يقابله بسحر مثله، وذلك بسبب سيطرة السحر على عقولهم وتصوراتهم.
كما يظهر تأثير السحر في ردهم على الحق الذي جاء به موسى بقولهم:''إنّ هذا لساحر عليم''. (فروَّج عليهم فرعون أنّ هذا من قبيل السحر لا من قبيل المعجزة) ، فهي فرية قريبة من عقول النّاس، فهي الأنسب في الرد على موسى. ولهذا كان اتهام موسى بالسحر هو الردّ الأبرز من بين ردودهم، والأكثر تداولا وشيوعا فيما بينهم.