وكون الأمر بالشيء نهيًا عن ضده ليس مُطْلَقًا بل مشروط بشرط بين في التوضيح. قيل
والإصرار عَلَى الصغيرة كبيرة، فلهذا لم يقل أو صغيرة لم يتب عنها، وسبب كون الإصرار
على الصغيرة كبيرة ترك التَّوْبَة التي تجب عَلَى مرتكبها لكن من لم يتب عن الصغيرة
وواظب عَلَى الحسنات، فالظَّاهر أنه ليس من المصرين لقَوْله تَعَالَى:(إنَّ الْحَسَنَات يُذْهبْنَ
السَّيّئَات)الآية. ولم أرَ من صرح به، وله درجات ثلاث بالنظر إلَى حال
المرتكب. التغابي بالغين الْمُعْجَمَة من باب تمارضت أي إظهار الغفلة مع أنه لا غفلة، ومعناه
أنه يرتكب الكبيرة مع علمه بحرمتها وقبحها شرعًا لكنه لاستعلاء الشهوات؛ إذ الْإنْسَان لا
يصبر عن الشهوات ولا يتحمل ميثاق الطاعات قال تَعَالَى: (وَخُلقَ الْإنْسَانُ ضَعيفًا)
ومعناه ما ذكر من عدم الصبر عن الشهوات.
قوله: (والثانية الانهماك وهو أن يعتاد ارْتكَابها غير مبالٍ بها) وهو الجد فيه والحرص
ولهذا قال وهو أن يعتاد ارْتكَابها أي فعلها غير مبال بها، والْمُرَاد بعدم المبالاة عدم الاحتراز
عنها والإصرار عليها، كأنه لا يخاف وبالها في ظَاهر الحال لكنَّه غير مستصوب إياها بقرينة
المقابلة فلو كان مراده عدم المبالاة اعتقادًا لكان كفرا تقول لا أباليه ولا أبالي به أي لا
أكترث له، ولا يستعمل إلا مع النفي مثل غير هنا، كَمَا صَرَّحُوا به، وأما الارْتكَاب في بعض
الأحيان مع عدم المبالاة فداخل في القسم الأول؛؛ إذ الْمُرَاد بعدم المبالاة الإكثار ولا يرى
عنده عظيمًا مع الاستقاح، وفي الصورة الْمَذْكُورة الاستقباح معتبر.
قوله: (والثالثة الجحود وهو أن يرتكبها مستصوبًا إياها) الجحود الإنكار والكفر إلا
أن الجحود الإنكار عن علم وهو أن يرتكبها مستصوبًا إياها فهو كفر إن كان ثبوت الكبيرة
بنص قاطع ومجمع عليه. وحاصله ما علم من الدين حرمتها وكونها كبيرة فجاحدها كافر.
وأما الكبيرة التي ثبتت بالْحَديث الغير المتواتر فجاحدها والمستصوب إياها ليس بكافر.
ولظهوره لم يقيده وكون المستصوب لها كافرًا لا يَخْتَصُّ بالْفَاعل لها بل الاستصواب إياها
كفر مُطْلَقًا، لكن الْكَلَام في الفاسق المرتكب إياها، فلذا خصه به.
قوله: (فإذا شارف هذا المقام وتخطى خططه خلع ربقة الإيمان من عنقه، ولابس الكفر.
وما دام هُوَ في درجة التغابي أو الانهماك فلا يسلب عنه اسم الْمُؤْمن لاتصافه بالتصديق الذي
هو مسمى الإيمان، ولقَوْله تَعَالَى: (وَإنْ طائفَتان منَ الْمُؤْمنينَ اقْتَتَلُوا) .
شارف أي قارب. المشارفة القرب، وأصله من الشرف وهو المكان المرتفع كناية لما يطلع
على محال عال لينظر ما يريده فيقرب منه، ومنه المستشرف، والْمُرَاد بالمشارفة الاطلاع
اللازم للقرب، وإنما عبر بالقرب تهديدًا وتشديدًا مثل قَوْلُه تَعَالَى: (ولا تقربوا الزنى)
وحاصله الاتصاف بهذا المقام من تصويب الكبيرة المقطوع بها. وتخطى أي
تجاوز خططه أي خطط المقام جمع خطة بكسر الخاء الْمُعْجَمَة وتشديد الطاء المهملة
المنزل الذي خطه الرجل لنفسه وحدده، وقد يستعمل بمعنى المحل مُطْلَقًا وجمعه خطط
بزنة عنب. أصل التخطي فعل الخطوة وهي نقل القدم، والْمُرَاد هنا التجاوز مَجَازًا بعلاقة