إلى تَحْصيله) هذا رأي الجاحظ وأبو الحسين والنظام والعلاف وأبي القاسم البلخي
ومحمود الخوارزمي. قَالُوا إرادته تَعَالَى علمه بنفع في الفعل، واختاره الحكماء فقَالُوا
إرادته تَعَالَى هي علمه تَعَالَى بجميع الموجودات من الأزل إلَى الأبد وبأنه كَيْفَ يَنْبَغي أن
يكون نظام الوجود حتى يكون عَلَى الوجه الأكمل وبكيفية صدوره عنه حتى يكون الوجود
على وفق المعلوم عَلَى أحسن النظام من غير قصد وطلب شوقي، ويسمون هذا العلم غاية
أَزَليَّة. قوله عَلَى النظام الخ. يناسب مذهب الحكماء. وقوله فإنه يدعو الخ. يناسب مذهب
أبي الحسين والنظام وغيرهما من رؤساء المعتزلة، ففي كلامه نوع اضطراب، ولك أن تقول:
إنه أَشَارَ إلَى كلا المذهبين فإنه يدعو القادر إلَى تَحْصيله، وأصحابنا يدعون في جواب
الحكماء الضرورة في استواء نسبة العلم والقدرة إلَى الطرفين فلا يكون شيء منهما
مخصصًا وإن كان العلم فعليًا. كذا في المواقف وشرحه، وبهذا البيان يندفع ما قاله بعض
الفضلاء أنه يجوز أن يكون المرجح في أفعاله تَعَالَى هُوَ العلم بالمصلحة لما عرفت من أن
العلم لا يكون مرجحًا بالضرورة وإن كان العلم بالمصلحة.
قوله: (والحق: أنه ترجيح أحد مقدوريه عَلَى الآخر) أي الإرادة والتذكير باعْتبَار الخبر
هذا مذهبنا مذهب أهل السنة فهي صفة وجودية ذاتية قديمة قائمة بذاته تَعَالَى ولها تعلقات
حادثة إذا تعلقت بالحوادث وجب وجود تلك الحوادث، وفي المواقف الإرادة القديمة
توجب المراد، وفي شرحه أي إذا تعلقت إرادة اللَّه تَعَالَى بفعل من أفعال نفسه لزم وجود
ذلك الْفعْل وامتنع تخلفه عن إرادته اتفاقًا من أهل الملة والحكماء أَيْضًا، وأما إذا تعلقت
بفعل غيره ففيه خلاف المعتزلة القائلين بأن معنى الأمر هُوَ الإرادة فإن الأمر لا يوجب
وجود المأمور به كما في العصاة، وأما الإرادة الحادثة فلا توجبه اتفاقًا انتهى. قوله والحق
الخ. إشَارَة إلَى بطلان ما سواه كما مراد أمر له. نبهنا عليه وميل أكثر أرباب الحواشي أن هذا
في إرادة الله تَعَالَى فقط لا في إرادة العبد؛ لأنه مفروغ عنها بما سبق وأن هذا الْكَلَام إنما
سيق لبيان ما هُوَ الحق فيما وقع فيه الاخْتلَاف، وهي الإرادة الأَزَليَّة، ثم الظَّاهر أن المراد
بالترجيح تعلق الإرادة لا صفة مخصصة لأحد طرفي المقدور، وهذا خلاف مذهب أهل
السنة لأنها صفة قديمة ذاتية عندهم، والترجيح صفة فعلية حادثة، والْجَوَاب أنه تعريف لها
باعْتبَار التعلق فيكون تعريفًا رسميًا بخاصتها أو حدًا ناقصًا اكتفى فيه بالفصل دون تعريف
حقيقي ذكر فيه جميع ذاتياتها، وهذا كثير في كلامهم وقدمه لأن التعلق هُوَ الظَّاهر في بادئ
الرأي وبه يوجد الْفعْل والترك، ثم حاول بيان حقيقته المعتبرة عند أهل الحق من الْمُتَكَلّمينَ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: والحق إنه ترجيح أحد مقدوريه عَلَى الآخر. وهذا هُوَ معنى الاختيار، لكنه ترجيح أحد
المتساويين بالنسبة إلَى القدرة عَلَى الآخر.