البعوضة إما في الجثة وهو الظَّاهر المُتَعَارَف ولهذا قدمه كالذباب والعنكبوت فإن جثتهما أكبر
من جثة البعوض، كأنه قصد به الخ. وقال المنكرون الجاهلون الله تَعَالَى أجل من أن يضرب
الأمثال بالمحقرات من الذباب والعنكبوت، كما قرره المصنف فيما سبق، وفيه دفع إشكال بأنه ما
فَائدَة ذكر ما فوقها بعد ذكر البعوض مع أنه علم حكمه عَلَى هذا التقدير بطَريق دلالة النص
فإنه علم عن عدم استحيائه تَعَالَى ضرب المثل بالبعوضة عدم استحيائه تَعَالَى بضربه بما فوق
البعوضة بطَريق الأولى، فدفع بأنه من قبيل التتميم، كذكر الرحيم بعد الرحمن في الْإثْبَات
لأن رده قصدًا بعبارة النص أولى وأقوى من الرد بدلالة النص، وإنَّمَا قال كأنه؛ إذ الاطلاع عَلَى
القصد قطعًا مشكل وغايته الظن والشك، فلا يكون كأنه إشَارَة إلَى الضعف، وإنما قدمه. أما أولًا
فلأن الزّيَادَة كمٍّا أو كيفًا إنما هي في الجثة والجسم، وأما ثانيًا فلأن احتمال الاستفهامية في
لفظة ما في (مثلًا ما) إنما يناسبه هذا الْمَعْنَى كما نبهنا عليه هناك.
قوله:(والْمَعْنَى أنه تَعَالَى لا يستحيي ضرب المثل بالبعوضة فضلًا عَمَّا هُوَ أكبر
منه)كأنه أَشَارَ إلَى أن ما [بدل] أو عطف بيان من مثلًا أو أراد تصوير الْمَعْنَى وخلاصته لأجل
المبني فضلًا عَمَّا هُوَ أكبر منه، فإن عدم الاستحياء منه أولى وأحرى، كما لا يخفى فذكر عدم
استحيائه تَعَالَى من ضرب المثل بالبعوضة مع أن ضرب المثل بها لم يقع صريحًا لرد
الجهلة القائلين بأن الله تَعَالَى أجل من ضرب المثل بالذباب وبالعنكبوت حين مثل عبادة
الأصنام ببيت العنكبوت وجمعها أقل من الذباب بطَريق الأولويه.
قوله: (أو في الْمَعْنَى الذي جعلت فيه مثلًا، وهو الصغر والحقارة كجناحها) عطف
على قوله في الجثة فـ [حِينَئِذٍ] الزّيَادَة معنوية فـ [حِينَئِذٍ] يكون من قبيل الترقي. والْمَعْنَى أنه لا يستحيي
ضرب المثل بالبعوضة التي هي مثل في الصغر كمًّا وفي الحقارة كيفًا، بل لا يستحيي ضربه
بأحقر منها، فما ظنكم بما هُوَ أكبر منها كالذباب والعنكبوت اللذين وقع الضرب بهما بالْفعْل؟
وبملاحظة ذلك حصل رد ما استنكروه بأقوى رد. وجه تأخيره مع أنه أوفق بالمحاورات لما