فإذا كانت الخيرية هنا ترتكز على قيام الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واللعنة هناك سببها - أو من أسبابها - عدم قيام الأمة بتلك المهمة، فإن هذا يبين لنا مدى أهمية هذا الأمر فِي حياة الأمة. ذلك أن التفلت من التكاليف طبع موجود فِي البشر، فإن لم يعالج بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن الفساد (( يظهر ) )- أي يستشرى - فِي الأرض:
(( ظهر الفساد فِي البر والبحر بما كسبت أيدى الناس ) ) (1) .
والطريقة الوحيدة لمنع الفساد من الأرض هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بدرجاته المختلفة، وباختلاف المكلفين بكل درجة من درجاته0.
وهذا هو الدرس الذي تبرزه الآية عن طريق تقديم لفظ على لفظ فِي السياق.
(2) (( قل هذه سبيلى أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى وسبحان الله وما أنا من المشركين ) ) (2) .
هنا أيضاً قدم شيء فِي السياق على الإيمان.. فقوله تعالى: (( وسبحان الله وما أنا من المشركين ) )هو الأمر المختص بالعقيدة. أي المختص بالإيمان. ولكنا نجد فِي السياق أن البصيرة قدمت - لفظا - على الإيمان الذي لا يتقدم عليه شىء. فما معنى التقديم؟
معناه أولا أن البصيرة أمر مهم فِي الدعوة، يبلغ من أهميته أن يقدم فِي السياق على قضية الإيمان التي لا يتقدم عليها شيء 00 وتلك إشارة واضحة إلى أهميتها.
ومعناه ثانيا أن الدعوة إن لم تكن على بصيرة، فإنها لا تؤدى مهمتها المرجوة. وهذا أمر نلحظه جيدا فِي وقتنا الحاضر، حيث يذهب كثير من الجهد الذي يبذله بعض الدعاة بلا مردود حقيقي، برغم إخلاصهم فِي الدعوة، لنقص عندهم فِي البصيرة، يجعلهم لا يسلكون بدعوتهم المسلك الذي يؤثر فِي النفوس، بل قد يؤدى أحيانا إلى انصراف الناس عنهم، وعدم الاستفادة من المادة الدعوية التي يقدمونها، وفى ذلك من الخسارة ما فيه .
(1) سورة الروم: 41
(2) سورة يوسف: 108