أي: إن ربك - أيها الرسول الكريم - يقضى بين بني إسرائيل الذين اختلفوا فيما بينهم اختلافا كبيرا، بحكمه العادل، كما يقضى بين غيرهم، فيجازى الذين أساؤوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.
وَهُوَ - سبحانه - الْعَزِيزُ الذي لا يغالب الْعَلِيمُ بكل شيء في هذا الوجود، والفاء في قوله - تعالى -: فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ... للتفريع. أي: ما دمت قد عرفت ذلك - أيها الرسول الكريم - ففوض أمرك إلى العزيز العليم وحده، وتوكل عليه دون سواه، وبلغ رسالته دون أن تخشى أحدا إلا إياه.
وجملة «إنك على الحق المبين» تعليل للتوكل على الله وحده.
أي: توكل على الله - تعالى - وحده، لأنك - أيها الرسول الكريم - على الحق الواضح البين، الذي لا تحوم حوله شبهة من باطل.
وقوله - تعالى -: إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى، وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ... تعليل آخر لوجوب التوكل على الله - تعالى - .
وقد شبه - سبحانه - أولئك المشركين، بالأموات الذين فقدوا الحياة، وبالصم الذين
فقدوا السمع، وبالعمى الدين فقدوا البصر، وذلك لأنهم لم ينتفعوا بهذه الحواس، فصاروا كالفاقدين لها.
أي: دم - أيها الرسول الكريم - على توكلك على الله - تعالى - وحده، وإنك لا تستطيع أن تسمع هؤلاء المشركين. ما يردهم عن شركهم، لأنهم كالموتى الذين لا حس لهم ولا عقل، ولأنهم كالصم الذين فقدوا نعمة السمع.
وقوله: إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ لتتميم التشبيه. وتأكيد نفى السماع. أي: إذا أعرضوا عن الحق إعراضا تاما، وأدبروا عن الاستماع إليك.
قال الجمل: فإن قلت: ما معنى قوله مُدْبِرِينَ والأصم لا يسمع سواء أقبل أو أدبر؟.
قلت: هو تأكيد ومبالغة للأصم. وقيل: إن الأصم إذا كان حاضرا قد يسمع رفع الصوت، أو يفهم بالإشارة، فإذا ولى لم يسمع ولم يفهم.
ومعنى الآية: إنهم لفرط إعراضهم عما يدعون إليه كالميت، الذي لا سبيل إلى إسماعه، وكالأصم الذي لا يسمع ولا يفهم .. .