ثم زاد ذلك توكيدًا فقال: {إِن تسُمِعُ} ؛ أي: ما تُسمع دعوتك سماعًا نافعًا للسامع، {إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا} التنزيلية، ويصدق بها، وهي القرآن، لا من يكفر بها؛ أي: لا تُسمع إلا من سبق في علمنا إيمانه بآياتنا وتصديقه بكتابنا، ولما كان طريق الهداية هو إسماع الآيات التنزيلية قال: {إِنْ تُسْمِعُ} ، دون إن تهدي، مع قرب ذكر الهداية، وجملة قوله: {فَهُمْ مُسْلِمُونَ} تعليل لإيمانهم بها، كأنه قيل يؤمنون بآياتنا لكونهم منقادين للحق، مخلصين في إيمانهم.
والمعنى: أي إنما يستجيب لك من هو نافذ البصيرة، خاضع لربه متبتل إليه، مجيب لدعوة رسله.
والخلاصة: أنك لا تقدر أن تُفهم الحق وتسمعه إلا من يصدقون بآياتنا وحججنا، فإنهم هم الذين يسمعون منك ما تقول، ويتدبرونه، ويعملون به، إذ هم ينقادون للحق في كل حين.
واعلم: أن الأصل هو العناية الأزلية، وما سبق في علم الله سبحانه من السعادة الأبدية، فالسعيد من سعد بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله سبحانه وتعالى، وإنما الأعمال بالخواتيم، اللهم اجعلنا بجزيل فضلك ووسيع كرمك من السعداء، ولا تجعلنا من الأشقياء.
82 -ثم هدد العباد بذكر طرق من أشراط الساعة وأهوالها، فقال: {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ} ؛ أي: وإذا وجب وثبت، وحل على الناس أجل ما قلنا في القرآن، ووعدناهم فيه، والمراد بالقول: ما نطق به القرآن من مجيء الساعة وما فيها من فنون الأهوال التي كان يستعجل بها المشركون، والمراد بالوقوع: الدنوُّ والاقتراب، كما في قوله تعالى: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} .
والمعنى: إذا دنا واقترب قيام الساعة التي ذكرناها وبيناها في القرآن، قيل: اقترابها بموت العلماء، وذهاب العلم، وقيل: برفع القرآن، وقيل: إذا لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر.
{أَخْرَجْنَا لَهُمْ} ؛ أي: للناس {دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ} ؛ أي: من جبل الصفا بمكة وهي فصيل ناقة صالح عليه السلام، فإنه لما عُقرت أمه هرب، فانفتح له حجر فدخل في جوفه، ثم انطبق عليه الحجر، فهو فيه حتى يخرج بإذن الله تعالى في آخر الزمان.