طلب الرتب العليا في الخير والكمال والسبق إليها والتقدم فيها، مما يدعونا إليه الله، ويرغبنا بمثل هذه الآية فيه، كما قال تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة: 148، والمائدة: 48] .؛ لأن طلب الكمال كمال؛ ولأن من كانت غايته الرتب العليا، إن لم يصل إلى أعلاها لم ينحط عن أدناها، وإن لم يساو أهلها لم يبعد عنها.
ومن لم يطلب الكمال بقي في النقص، ومن لم تكن له غاية سامية قصر في السعي، وتوانى في العمل.
فالمؤمن يطلب أسمى الغايات حتى إذا لم يصل لم يبعد، وحتى يكون في مظنة الوصول بصحة القصد وصدق النية.
الخامس:
من الدين الإقتداء بأهل العلم والعمل والاستقامة في الهَدْي والسمت.
السادس:
لا يكون الإمام إلاّ تقياً فاق غيره في التقوى.
السابع:
إن إقتداء المتقين بأئمتهم إنما هو في التقوى؛ لأنهم ما كانوا أئمة إلاّ بها، فالآية أفادت: أن المتقين يقتدون بأئمتهم، وأن أئمتهم متقون مثلهم، وأكمل منهم التقوى، وأن إقتداءهم بهم في التقوى لا في غيرها؛ فمن حاد عنها فلا إمامة له.
تمييز:
الخَيِّرُ الكامل، المقدم في الخير والكمال، المقتدى به فيهما إذا طلب الإمامة من حيث الخير والكمال نفسهما، ومن حيث حمل الناس عليهما بالقدوة الصالحة له فيهما؛ لأن فعل الخير والاتصاف بالكمال دعوة إليهما بالعمل، وهي أبلغ من الدعوة بالقول؛ ومن حيث انتشارهما في الناس وسعادة الناس بها. إذا طلب الإمامة من هذه الحيثيات فطلبه مشروع محمود، وهو طلب عباد الرحمن المذكور في الآية. وإذا طلب الإمامة والتقدم لأجل الترأس والتقدم، فهذا طلب مذموم من عمل المتكبرين لا من عمل المتقين.
فعلى الداعي أن يميز هذا التمييز ليخلص القصد في دعائه ويكون على صواب فيه.
كلمة عظيمة من إمام عظيم:
قال مجاهد (1) التابعي الجليل الثقة الثبت المفسر الكبير:
«أئمة، نقتدي بمن قبلنا ويقتدي بنا من بعدنا» . ذكره البخاري (2) ، ورواه ابن جرير بسند صحيح يعني أن الذين يقتدي بهم الناس من بعدهم هم الذين كانوا يقتدون بسلفهم الصالح من قبلهم.
فالذين أحدثوا في الدين ما لم يعرفه السلف الصالح لم يقتدوا بمن قبلهم، فليسوا أهلاً لأن يقتدي بهم من بعدهم.