وإذا مروا في طريقهم بقول يقال، أو فعل يفعل مما لا فائدة فيه جاوزوه معرضين عنه، أزكياء غير متدنسين بشيء منه، ولا ملتفتين لأهله.
موعظة:
في الإقبال على اللغو شغل للبال به، وتكدير للخاطر بظلمته، وتضييع للوقت فيه، ولكل كلمة تسمعها أو فعلة تشهدها أثر في حياتك وإن قل. وقد يعقبها ضدها فتزول بعدما شغلت وعطلت. وقد يردفها مثلها فتثبت وتنمو وتسوء عاقبتها ولو بعد حين.
وبقدر ما تلتفت إلى اللغو تلتفت عن كرمك، وبقدر ما يعلق بك منه ينقص من ذكائك.
وبقدر ما تتساهل بالوقوف عليه تقرب من الدخول فيه، وإذا دخلت فيه واستأنست بأهله جرك إلى الزور وعظائم الأمور.
وللشر أسباب متواصلة، وأنساب متصلة يؤدي بعضها إلى بعض، فينتقل المغرور الغافل من خفيها إلى جليها، ومن صغيرها إلى كبيرها.
فالحازم من لم يسامح نفسه في قليلها، ويباعد كل البعد عنها وعن أهلها، وقد هدتنا هذه الآيات لنهتدي، وذكرت عباد الرحمن لنقتدي.
الصفة الحادية عشرة:
{وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73) } [الفرقان: 73] .
لما وصفهم فيما تقدم بإعراضهم عن الباطل، ومجانبتهم لأهله، وبعدهم عنه، وصفهم هنا بإقبالهم على الحق، وإكبابهم عليه، متفهمين مستبصرين.
{ذكروا} وعظوا ونبهوا. {بآيات ربهم} هي آيات القرآن، وفيها التذكير بآيات الأكوان التى ترى بالعيان.
(الخرور) هو السقوط كسقوط الساجد. (الأصم) فاقد حاسة السمع، أو الذي لا يتدبر ما يسمع فلا ينتفع به، وهو المراد هنا.
و (الأعمى) فاقد حاسة البصر، أو الذي لا يعتبر فيما يبصر فلا ينتفع به، ويكون الأعمى بمعنى فاقد الإدراك القلبي وهو عمى البصيرة، وما هنا يحتمل الوجهين الأخيرين.
عبربـ (إذا) لأن التذكير مما هو واقع محقق كالذي يسمع من القرآن في الصلاة ومن الخطب في الجمع.
وبنى الفعل للنائب لأن التذكير بالآيات يجب قبوله من أي مذكر كان.
و {صماً وعمياناً} حال من الواو ضمير الجماعة في {لم يخروا} ، والنفي منصب على الحال التي هي قيد في الكلام.