فَأَمَّا الْقَتْلُ فَجَعَلَهُ عُقُوبَةَ أَعْظَمِ الْجِنَايَاتِ، كَالْجِنَايَةِ عَلَى الْأَنْفُسِ؛ فَكَانَتْ عُقُوبَتُهُ مِنْ جِنْسِهِ، وَكَالْجِنَايَةِ عَلَى الدِّينِ بِالطَّعْنِ فِيهِ وَالِارْتِدَادِ عَنْهُ، وَهَذِهِ الْجِنَايَةُ أَوْلَى بِالْقَتْلِ وَكَفِّ عُدْوَانِ الْجَانِي عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ عُقُوبَةٍ؛ إذْ بَقَاؤُهُ بَيْنَ أَظْهُرِ عِبَادِهِ مَفْسَدَةٌ لَهُمْ، وَلَا خَيْرَ يُرْجَى فِي بَقَائِهِ وَلَا مَصْلَحَةَ؛ فَإِذَا حَبَسَ شَرَّهُ وَأَمْسَكَ لِسَانَهُ وَكَفَّ أَذَاهُ وَالْتَزَمَ الذُّلَّ وَالصَّغَارَ وَجَرَيَانَ أَحْكَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَيْهِ وَأَدَاءَ الْجِزْيَةِ لَمْ يَكُنْ فِي بَقَائِهِ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ ضَرَرٌ عَلَيْهِمْ، وَالدُّنْيَا بَلَاغٌ وَمَتَاعٌ إلَى حِينٍ، وَجَعَلَهُ أَيْضًا عُقُوبَةَ الْجِنَايَةِ عَلَى الْفُرُوجِ الْمُحَرَّمَةِ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ الْمَفَاسِدِ الْعَظِيمَةِ وَاخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ وَالْفَسَادِ الْعَامِّ.
(فصل)
اعلمْ أن الله سبحانه خلق عباده المؤمنين وخلق كل شيء لأجلهم، كما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سخَّرَ لَكُمْ مَا فِى السَّمَوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان:02] .
وكرمهم وفضلهم على كثير ممن خلق فقال: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَم وحملناهم فِى الْبِرِّ وَالْبَحْرِ وَرزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} [الإسراء: 70] ، وقال لصالحيهم وصفوتهم: {إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآل إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِين} [آل عمران: 33] .
وقال تعالى لموسى: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} [طه: 41] ، واتخذ منهم الخليلين، والخلة أعلى درجات المحبة.
وقد جاء في بعض الآثار: يقول تعالى:"ابن آدم خلقتك لنفسي، وخلقت كل شيء لك فبحقى عليك لا تشتغل بما خلقته لك عما خلقتك له".
وفى أثر آخر يقول تعالى:"ابن آدم، خلقتك لنفسي فلا تلعب، وتكفلت برزقك فلا تتعب، ابن آدم اطلبنى تجدنى فإن وجدتنى وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء".