الأولى: هل يخرج غير التائب من النار؟
استثنى الله التائب من مضاعفة العذاب والخلود فيه مهانًا، فبقي غير التائب للخلود.
والخلود كما قدمناه في الآية السابقة طول البقاء، ولا يقتضي التأبيد وقد لا يكون؛ فمع التأبيد لا خروج ومع عدمه الخروج.
وغير التائب الذي بقي للخلود المطلق في الآية هو: المشرك والقاتل والزاني.
فأما المشرك فلا خروج له من النار؛ لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} (1) - [النساء: 48 و 116] .
وأما القاتل والزاني إذا كانا من أهل الإيمان فإنمها يخرجان بعد شديد العذاب بما معهما من الإيمان؛ لأحاديث صحيحة، منها ما رواه الشيخان عن أنس رضي الله عنه:
«يخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة.
ثم يخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن برَّة.
ثم يخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة
زاد البخاري في رواية قتادة عن أنس: «من إيمان» مكان «خير» وهذا من عدل الله ورحمته، فإنه أذاقهم من العذاب الشديد والهوان المخزي جزاءهم، ثم أخرجهم من النار، وما أضاع عليهم إيمانهم، إن الله بالناس لرؤوف رحيم.
الثانية: هل لقاتل النفس ظلمًا وعدوانًا من توبة؟
ذهب ابن عباس في المشهور عنه، الذي رواه الشيخان (1) أوغيرهما: أنه لا توبة له. وقال في هذه الآية: إنها نزلت في المشركين، وذكر سبب نزولها كما تقدم. وقال - إثره - أما من دخل في الإسلام وعقله، ثم قُتل فلا توبة له
وقال في هذه الآية: إنها آية مكية نسختها آية مدنية وهي آية الفرقان (3) : {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93] . ومراده بالنسخ التخصيص: يعني أن لفظة"من"في {إِلَّا مَنْ تَابَ} عامة، تشمل القاتل فتقضي بعمومها أن له توبة. وأن آية الفرقان التى جاءت في القاتل خصصتها وأخرجته من عمومها.
قال ابن رشد - بنقل الأبيّ: وإلى هذا ذهب مالك لأنه قال:"لا يؤمن القاتل وإن تاب".