أَيْ مِنْ جُمْلَةِ التَّوَاضُعِ لِلْحَقِّ: فَنَاؤُكَ عَنْ نَفْسِكَ. فَإِنَّ رَسْمَهُ هِيَ نَفْسُهُ. وَالنُّزُولُ عَنْهَا: فَنَاؤُهُ عَنْهَا حِينَ شُهُودِهِ الْحَضْرَةَ. وَهَذَا النُّزُولُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ كَسْبِيٌّ بِاعْتِبَارٍ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَ الْقَوْمِ غَيْرَ كَسْبِيٍّ. لِأَنَّهُ يَحْصُلُ عِنْدَ التَّجَلِّي. وَالتَّجَلِّي نُورٌ. وَالنُّورُ يَقْهَرُ الظُّلْمَةَ وَيُبْطِلُهَا. وَالرَّسْمُ عِنْدَ الْقَوْمِ ظُلْمَةٌ. فَهِيَ تَنْفِرُ مِنَ النُّورِ بِالذَّاتِ. فَصَارَ النُّزُولُ عَنِ الرَّسْمِ حِينَ التَّجَلِّي ذَاتِيًّا.
وَوَجْهُ كَوْنِهِ كَسْبِيًّا: أَنَّهُ نَتِيجَةُ الْمَقَامَاتِ الْكَسْبِيَّةِ. وَنَتِيجَةُ الْكَسْبِيِّ كَسْبِيٌّ. وَثَمَرَتُهُ، وَإِنْ حَصَلَتْ ضَرُورَةً بِالذَّاتِ: لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهَا كَوْنُهَا كَسَبِيَّةً بِاعْتِبَارِ السَّبَبِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
{وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) } [فصل: الفرق بين الاقتصاد والتقصير]
والفرق بين الاقتصاد والتقصير: أن الاقتصاد هو التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط وله طرفان هما ضدان له تقصير ومجاوزة فالمقتصد قد أخذ بالوسط وعدل عن الطرفين قال تعالى: {والَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً}
وقال تعالى: {ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ}
وقال تعالى: {وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا}