يا هذا: المحب يطرد فلا يزول وأنت تدعى فلا تجب.
كم ليلة ينادي - وأنت غائب -: هل من سائل؟ هل من تائب؟
فإن تمنعوا مني السلام فإنني ... لغاد على حيطانكم فمسلم
رحم الله عظماً طالما نصبت وانتصبت، فإذا جن الليل عليهم فتمكن وثبت وثبت، إن ذكرت عدله رهبت وهربت، وإن تفكرت فضله فرحت وطربت، اعترف عن طاعته أنها قد أذنبت، وقامت شاكرة لمن جمعها على إحسانه فنبت، لا حت لها ذنوبها فبكت عليها وندبت وصاحت بها ألسن الغفران، فاهتزت وربت:
قف بالديار فهذه آثارهم ... تبكي الأحبة حسرةً وتشوقاً
كم قد وقفت بها أسائل مخبراً ... عن أهلها أو صادقاً أو مشفقا
فأجابني داعي الهوى في رسمها ... فارقت من تهوى فعز الملتقى
طرق الخيال وقال لي يا مدعي ... أتنام بعد فراق جيران اللقى؟
وحياتكم قسماً بأني صادق ... لا طاب لي من بعدكم فيكم بقا
يا سادة مذ حملوا أجمالهم ... ما أورثني بعدهم إلا الشقا
أترى الأرض خلت منهم أم لم ترهم، كلا لو وصفت أعمالهم عرفناهم، أما الأحياء منهم، فالقطرة تجري مجراهم، أما أمواتهم فمعنى الأحبار معناهم.
قف يا هذا على قبورهم ونادهم، واستنشق ريح فضلهم، فهل المعاني في اجتهادهم ضائر الريحان معهم في وسادهم:
كم قد وقفت وأحبابي بمنزلة تبيت يقظاناً ولهاناً وأهلاناً
فهاجها حين حيانا النسيم بما ... سقيا وألقى بالجرع حينا
نبكي فيسعدنا كور المطى فهل ... نحن المشوقون فيها أم مطايانا
ولا من قطر الأشياء ما وجدت ... كوجدنا العيس بل رقت لشكوانا