في هذه الآية صرف الله الخطاب عن المعبودات، ووجهه للعابدين، فالآية حكاية لاحتجاج الله عليهم يوم القيامة، مبالغة في تقريعهم وتوبيخهم.
أي: فقال الله تعالى للعابدين: قد كذبكم المعبودون فيما تقولونه من زعمكم أُلوهيتهم، وأنهم حملوكم على عبادتهم، فما تملكون صرفًا للعذاب عن أَنفسكم، ولا عونًا يخلصكم منه إِذا نزل بكم، ومن يظلم نفسه منكم أَيها المكلفون بعبادة غير الله، أَو بأي لون من أَلوان الكفر: نذقه في الآخرة بالنار والزمهرير عذابًا كبيرًا لا يقادر قدره.
{وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (20) }
المفردات:
{فِتْنَةً} : امتحانا وابتلاءً. {أَتَصْبِرُونَ} : علة لجعلنا - أي: جعلنا بعضكم فتنةً لبعض لنعلم أيكم يصبر، ونظيره ليبلوكم أيكم أحسن عملًا، ويجوز أَن يكون حثًّا على الصبر على الفتن.
التفسير
20 - {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ} :
هذا جواب آخر عن قولهم {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} وقد سبق الجواب عنه بقوله سبحانه: {انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا} وبقوله: {بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا} .
ومن فوائد هذا الجواب تسلية النبي - صلى الله عليه وسلم - روى عن ابن عباس أنه قال: لما عير المشركون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالفاقة وقالوا: {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ ... } الآية، حزن النبي - صلى الله عليه وسلم - لذلك، فنزلت هذه الآية تسلية له.
والمعنى: وما أَرسلنا قبلك يا محمد أحدا من المرسلين , إلا وحالهم أنهم مثلك يأكلون الطعام ليغذوا به أَجسامهم، ويمشون في الأَسواق للتجارة وكسب الرزق، وليس ذلك منافيًا