هذه الآية الكريم اشتملت على أمور أربعة تعتبر خلاصة لعقائد الدين وشرائع الإسلام: وهي الجهاد في الله؛ وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والاعتصام بالله. ذلك أن الدين الإسلامي عقيدة وعمل.
والعقيدة تركزت في الثقة بالله، والاعتراف بأنه القوة العليا التي منها المبدأ وإليها المنتهى، ومنها النفع والضر، ولها الخلق والأمر، وهي الملجأ والملاذ في الشدة والرخاء، والسراء والضراء؛ وإلى ذلك الإشارة بقوله جل شأنه:"وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ" [الحج: 78] .
وأما العمل: فمآله إلى ثلاثة أنواع. عمل يعود نفعه على الفرد في ذاته، وإليه الإشارة بقوله تعالى:"فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ" [النساء: 103] . وعمل يتعدى نفعه إلى فرد أو أفراد من مجموع الأمة، وإليه الإشارة بقوله سبحانه:"وَآَتُوا الزَّكَاةَ" [البقرة: 43] . وعمل يعود نفعه على الأمة كلها من حيث هي أمة ذات كيان دولي لها وطن تحميه ودين تفديه وقومية ترعاها، وذلك هو قوله تعالى:"وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ" [الحج: 78] .
فجهاد العدو ضروري لحفظ كيان الأمة ورفع رايتها وإعزاز كلمتها. والجهاد مبدأ مؤسس على نظرية اجتماعية طبيعية لازمت الإنسان منذ تكونت منه الجماعة المتباينة الأغراض، والله جل شأنه خلق الإنسان وركب فيه غريزة حب البقاء. وحب البقاء يدفعه دائماً إلى أن يجلب لنفسه كل ما يستطيع من نفع، وكثيراً ما يكون ذلك سبباً في البغي والعدوان، فاقتضت حكمة الله أن يمنح كل إنسان قوة محدودة يستطيع بها أن يدفع عن نفسه. فالطفل في المنزل يقاوم العدوان بطبعه حتى إذا عجزت قوته لجأ إلى والدته. والولد الكبير يلجأ في حال عجزه إلى أبيه أو أخيه الأكبر. وأفراد الأمة إذا بغى بعضهم على بعض لجأ المغلوب إلى الحاكم؛ وهكذا الأمة في مجموعها شأنها في ذلك شأن الأفراد تلجأ في دفع العدوان إلى جيش قوي يحمي ذمارها ويرهب أعداءها. وإذا كان للأفراد أعمار طبيعية يموتون بانتهائها.
فليس للأمة مثل هذه الأعمار، إنما حياة الأمة وبقاؤها وموتها وفناؤها منوطان بقوتها وضعفها، فالجيش القوي مبدأ حياة الأمة وبقائها ومناط عزها وكرامتها.