وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا"، وكما أحياكم وخلقكم أحيا غيركم، انظروا إلى الأرض من تحت أقدامكم"وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"، إلهٌ بهذا القدر العالي العظيم يُعرض عنه ويُكفر به، وعبدون وتتجهون وتحجون إلى أصنامٍ لا تستطيع أن تخلق ذباباً ولو اجتمعت له، بل هي أضعف من أن تسترد من الذباب من خطفه منها، بل هي أضعف من ذلك هي أضعف من الذباب، كما قال تعالى"ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ"، وإذا قلت إن هذا البطل أضعف من ولدي الصغير فقد أهنت البطل، وقال القائل:"
ألم تر أن السيف ينقص قدره *** إذا قيل إن السيف أمضى من العصا؟
ألا تعلم أن السيف يُهان وتنقص قيمته ويساء إليه لو قارناه في قوته بعصا ضعيفة، حين تقول السيف أحدُّ من هذه العصا فقد أهنت السيف، وقد أنزلت كرامة السيف في الأرض، فحين يُقال"ضَعُفَ الطَّالِبُ"وهي هذه الآلهة التي تجري وراء الذباب لتسترد ما أخذ من طعامها"ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ"وهو الذباب، أي ضعفت الآلهة وضعف الذباب فكأن الله تعالى بهذا يُهين تلك الآلهة، ويُبين شدة ضعفها حين يقارنها بهذا المخلوق الضعيف، لعل الناس يفهمون.
فكأن السورة أحبتي الكرام نداء على الناس جميعاً أن يتوجهوا إلى الله، وأن يحجوا إلى الله بقلوبهم وبأبدانهم بغض النظر عن الحج الأكبر إلى مكة وأرض المناسك، إنما ينبغي أن تكون القلوب دائماً قاصدةً إلى الله، النوايا دائماً متجهة إلى الله، العبادة دائماً مصروفةً إلى الله، لا تفعل شيئاً إلا أن تفعله لله ولا تسأل شيئاً إلا أن تسأله من الله"إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ".