أيها الأحبة الكرام، فهذه سورة الحج بمعنى القصد، وهي سورةٌ من عجائبها أنها نزلت في أحوال مختلفة، فمنها المكي ومنها المدني، ومنها الحضري ومنها السفري، ومنها الليلي والنهاري .. وهكذا، وهي سورةٌ تبدأ وتنتهي ببيان عظمة الله سبحانه وتعالى وقدرته العظيمة، تبدأ ببيان عظمة الله في الدار الآخرة وما يُحدث من آيات عظيمة، وتنتهي بعظمة الله في الدنيا حيث الخلق والرزق وما إلى ذلك، وما بين هذا وذاك حديثٌ عن ذلك الإنسان المعاند المعارض، الكافر الجاهل الذي يُهين نفسه بكفره بالله وانقطاعه عن الله عز وجل، مع أن حركة الكون كلها تدور في فلك التوحيد لله سبحانه، تعترف وتُقر بحركتها في صمتٍ لا نسمعه وبصوتٍ الله يعلمه"تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ"فإنها جميعاً تسبح إلهاً واحداً بصمتٍ لا نسمعه وبصوتٍ الله يعلمه، وما يشذ عنها إلا ذلك الإنسان، فاحمد الله يا مسلم أنك وُفِقت لتدور مع هذه الدورة المتناسقة، فكأن الله تعالى يقصد من هذه السورة هدفاً مهماً ينادي من أجله جميع الناس، أولها"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ"وفي أواخرها"يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ"، ينادي على الناس بأجمعهم أن اقصدوا ووجهوا الوجهة واستقبلوا ربكم سبحانه وتعالى الذي خلق ورزق في الدنيا، وأعرضوا بظهوركم عن الآلهة التي تعجز عن خلق ذباب، فكيف تجيب دعائكم، كيف تعطيكم ثواب على طاعتكم، أين جنتها؟ أين نارها؟ كيف تخافون منها وليست لها نار؟ وكيف تطمعون فيها وليست عندها جنة؟ .. أقبلوا على الله، أيها الناس جميعاً أقبلوا على الله، فالله هو الذي خلقكم"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ"