الوجهُ الثالث: أَنْ يكونَ هذا المبتدأ لا خبرَ له لفظاً ولا تقديراً ، وإنما رَفَع شيئاً يقوم مقامَ خبرِه من باب"أقائم أخواك". قال أبو البقاء:"والجيدُ أن يكونَ"أنهم"فاعلاً سَدَّ مَسَدَّ الخبر"، قلت: وفي هذا نظرٌ ؛ لأن ذلك يًُشْترطُ فيه أن يَعتمد الوصفُ على نفيٍ أو استفهامٍ ، وهنا فلم يعتمِدْ المبتدأُ على شيءٍ من ذلك ، اللهم إلاَّ أَنْ ينحوَ نَحْوَ الأخفشِ ، فإنه لا يَشترطُ ذلك . وقد قررتُ هذه المسألةَ في غيرِ هذا الموضوع ، والذي يظهر قولُ الأخفش ، وحينئذ يكون في"لا"الوجهان المتقدمان من الزيادة وعدمِها ، باختلاف معنيين: أي امتنع رجوعُهم إلى الدنيا أو عن شركِهم إذا قَدَّرْتَها زائدةٌ ، أو امتنع عدمُ رجوعِهم إلى عقابِ اللهِ في الآخرة إذا قَدَّرْتها غيرَ زائدة .
الوجه الثاني: من وجهَيْ رفعِ"حرام"أنه خبرُ مبتدأ محذوف ، فقدَّره بعضهم: الإِقالةُ والتوبةُ حرامٌ . وقَدَّره أبو البقاء:"أي ذلك الذي ذُكِرَ من العملِ الصالحِ حرامٌ". وقال الزمخشري:"وحرامٌ على قريةٍ أهلكناها ذَاك ، وهو المذكورُ في الآية المتقدمةِ من العملِ الصالح والسَّعيِ المشكورِ غير المكفورِ . ثم عَلَّل فقيل: إنهم لا يرجعون عن الكفر فكيف لا يمتنع ذلك؟"
وقرأ العامَّةُ"أَهْلكناها"بنونِ العظمة . وقرأ أبو عبد الرحمن وقتادةُ"أهلكتُها"بتاءِ المتكلم . ومَن قرأ"حَرِمٌ"بفتح الحاءِ وكسرِ الراء وتنوينِ الميم ، فهو في قراءتِه صفةٌ على فَعلِ نحو: حَذِر . وقال:
3360 وإن أتاه خليلٌ يومَ مسألةٍ ... يقولُ لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ