فلما توصلوا إلى لغة مشتركة ، ربما هي لغة الإشارة التي نتفاهم بها مع الأخرس مثلاً: {قَالُواْ ياذا القرنين إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرض فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً على أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً} [الكهف: 94] .
ثم أمرهم أن يأتوا بقطَع الحديد ، فأشعل فيها النار حتى احمرَّت فقال {آتوني أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً} [الكهف: 96] وهكذا صنع لهم السدَّ الذي يحميهم من هؤلاء القوم ، فلم يَقصُر نفعه لهم على هذه القضية ذاتها ، إنما نفعهم نَفْعاً يعطيهم الخير والقوة في ألاَّ يتعرضوا لمثلها بعد ذلك ، عملاً بالحكمة التي تقول: لا تعطني سمكة ، ولكن علمني كيف أصطاد .
ذلك لأنه أشركهم في العمل ؛ ليشعروا بأهميته ويتمسكوا بالمحافظة عليه وصيانته ، وإذا ما تعرضوا لمثل هذا الموقف لا ينتظرون مَنْ يصنع لهم .
هذا هو النموذج الذي تُقدِّمه قصة"ذي القرنين"وهو نموذج صالح لكل الزمان ولكل المكان ولكل حاكم مكَّنه الله في الأرض ، وألقى بين يديه أزِمّة الأمور ، وفي حديث أفضل العمل يقول صلى الله عليه وسلم:"تعين صانعاً ، أو تصنع لأخرق".
وقد تضاربتْ الأقوال حول: مَنْ هم يأجوج ومأجوج ، فمنْ قائل: هم التتار .
وآخر قال: المغول . وآخر قال: هم الحتيت ، أو السرديال ، أو قبائل الهُونْ .
ولو كان في تحديدهم فائدة لعيَّنهم القرآن ، إنما المهم من قصتهم أنهم قوْمٌ مفسدون في الأرض لا يتركون الصالح على صلاحه ، فإذا ما تصدَّى لهم الممكَّن في الأرض فعليه أن يحول بينهم وبين هذا الإفساد في غيرهم ، وعلينا نحن ألاَّ نُفسِد الصالح كهؤلاء ، إنما نترك الصالح على صلاحه ، بل ونزيده صلاحاً .