وقد اختلف علماء السلف في المراد من الموازين هنا: أهو الحقيقةُ أم المجاز ، فذهب الجمهور إلى أنه حقيقة وأن الله يجعل في يوم الحشر موازين لوزن أعمال العباد تشبه الميزان المتعارف ، فمنهم من ذهب إلى أن لكل أحد من العباد ميزاناً خاصاً به توزن به أعماله ، وهو ظاهر صيغة الجمع في هذه الآية وقوله تعالى:
{فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية} في [سورة القارعة: 67] .
ومنهم من ذهب إلى أنه ميزان واحد توزن فيه أعمال العباد واحداً فواحداً ، وأنه بيد جبريل ، وعليه فالجَمع باعتبار ما يوزن فيها ليوافق الآثار الواردة في أنه ميزان عام.
واتفق الجميع على أنه مناسب لعظمة ذلك لا يشبه ميزانَ الدنيا ولكنه على مثاله تقريباً.
وعلى هذا التفسير يكون الوضع مستعملاً في معناه الحقيقي وهو النصْبُ والإرصاد.
وذهب مجاهد وقتادة والضحّاك وروي عن ابن عباس أيضاً أن الميزان الواقع في القرآن مثَلٌ للعدل في الجزاء كقوله {والوزن يومئذ الحق} في [سورة الأعراف: 8] ، ومال إليه الطبري.
قال في"الكشاف":"الموازين الحساب السوي والجزاء على الأعمال بالنّصفَة من غير أن يُظلم أحدٌ"ه.
أي فهو مستعار للعدل في الجزاء لمشابهته للميزان في ضبط العدل في المعاملة كقوله تعالى {وأنزلنا معهم الكتاب والميزان} [الحديد: 25] .
والوضع: ترشيحٌ ومستعار للظهور.
وذهب الأشاعرة إلى أخذ الميزان على ظاهره.
وللمعتزلة في ذلك قولان ففريق قالوا: الميزان حقيقة ، وفريق قالوا: هو مجاز.
وقد ذكر القولين في"الكشاف"فدل صنيعه على أن القولين جاريان على أقوال أيمتهم وصرح به في"تقرير المواقف".
وفي"المقاصد":"ونسبة القول بانتفاء حقيقة الميزان إلى المعتزلة على الإطلاق قصور من بعض المتكلمين"ه.
قلت: لعلّه أراد به النسفيّ في"عقائده".