ولا ننسى أن استهزاء الكفار بأهل الحق استهزاء موقوت بوقته في الدنيا ، أمّا استهزاء الله بهم فاستهزاء أبديّ لا نهايةَ له . ويجب هنا أن نتنبه لهذه المسألة ، فكثيراً ما يتعرض أهل الإيمان للاستهزاء وللسخرية من أهل الباطل ، وهؤلاء الذين يسخرون منهم لأجلهم يصون الله لهم الحياة ويدفع عنهم العذاب ، كما جاء في الحديث القدسي:"فلولا أطفال رُضَّع ، وشيوخ رُكّع ، وبهائم رُتَّع لصببتُ عليكم العذاب صباً".
فحين ترى تقياً ، فإذا لم تشكره على تقواه وتقتدي به فلا أقلَّ من أنْ تدعَه لحاله ، لا تهزأ به ، ولا تسخر منه ؛ لأن في وجوده استبقاءً لحياتك وأَمْنِكَ ، وأقل ما يمكنك أنْ تُقيِّم به التقى: يكفيك منه أن أمنتَ شرَّه ، فلن يعتدي عليك ، ولن ترى منه شيئاً يسؤوك .
ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بالليل والنهار ...} .
أي: يرعاكم ويحفظكم ، وكأن الحق - سبحانه وتعالى - يُجري مقارنة بين إنعامه سبحانه على عباده وما يقابلونه به من جحود ونكران وكفران ، أنتم تكفرون بالله وتُؤذُون الصالحين من عباده وتسخرون منهم ، وهو سبحانه الذي {يَكْلَؤُكُم بالليل والنهار ...} [الأنبياء: 42] أي: كلاءة صادرة من الله الرحمن .
كما في قوله تعالى: {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله ...} [الرعد: 11] فليس المراد أنهم يحفظونه من أمر الله الذي أراده الله فيه ؛ لأن الحِفْظَ صادر من الله ، والحفَظة مكلّفون من قبله تعالى بحفظكم ، وليس تطوُّعاً منهم . وكلاءة الله لك وحفْظه إياك في النهار وفي الليل وأنت نائم عليك حَفَظة يحفظونك ، ويدفَعون عنك الأذى .