يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ مُوسَى لَهُ مُجِيبًا: رَبَّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، يَعْنِي: نَظِيرَ خَلْقِهِ فِي الصُّورَةِ وَالْهَيْئَةِ كَالذُّكُورِ مِنْ بَنِي آدَمَ، أَعْطَاهُمْ نَظِيرَ خَلْقِهِمْ مِنَ الْإِنَاثِ أَزْوَاجًا، وَكَالذُّكُورِ مِنَ الْبَهَائِمِ، أَعْطَاهَا نَظِيرَ خَلْقِهَا، وَفِي صُورَتِهَا وَهَيْئَتِهَا مِنَ الْإِنَاثِ أَزْوَاجًا، فَلَمْ يُعْطِ الْإِنْسَانَ خِلَافَ خَلْقِهِ، فَيُزَوِّجَهُ بِالْإِنَاثِ مِنَ الْبَهَائِمِ، وَلَا الْبَهَائِمَ بِالْإِنَاثِ مِنَ الْإِنْسِ، ثُمَّ هَدَاهُمْ لِلْمَأْتَى الَّذِي مِنْهُ النَّسْلُ وَالنَّمَاءُ كَيْفَ يَأْتِيهِ، وَلِسَائِرِ مَنَافِعِهِ مِنَ الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِيهِ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: خَلَقَ لِكُلِّ شَيْءٍ زَوْجَةً، ثُمَّ هَدَاهُ لِمَنْكَحِهِ وَمَطْعَمِهِ وَمَشْرَبِهِ وَمَسْكَنِهِ وَمَوْلِدِهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى قَوْلِهِ {ثُمَّ هَدَى} أَنَّهُ هَدَاهُمْ إِلَى الْأُلْفَةِ وَالِاجْتِمَاعِ وَالْمُنَاكَحَةِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ صُورَتَهُ، وَهِيَ خَلْقُهُ الَّذِي خَلَقَهُ بِهِ، ثُمَّ هَدَاهُ لِمَا يُصْلِحُهُ مِنَ الِاحْتِيَالِ لِلْغِذَاءِ وَالْمَعَاشِ.
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: سَوَّى خَلْقَ كُلِّ دَابَّةٍ ثُمَّ هَدَاهَا لِمَا يُصْلِحُهَا وَعَلَّمَهَا إِيَّاهُ، وَلَمْ يَجْعَلِ النَّاسَ فِي خَلْقِ الْبَهَائِمِ، وَلَا خَلْقَ الْبَهَائِمِ فِي خَلْقِ النَّاسِ، وَلَكِنْ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ مَا يُصْلِحُهُ، ثُمَّ هَدَاهُ لَهُ.