فقالت للذباحين: اصبروا عليّ ، فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل ولا ينقص ، حتى آتي فرعون فأستوهبه إياه ؛ فإن وهبه لي فقد أحسنتم وأجملتم ، وإن أمر بذبحه لم أنهكم.
فلما أتت فرعون به قالت: قرة عين لي ولك لا تقتلوه ، عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً.
فقال فرعون: يكون لك فأما لي فلا حاجة لي فيه.
فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"وَالَّذِي يَحْلِفُ بهِ لَوْ أَقَرَّ فِرْعَوْنُ بِأنْ يَكُونَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَهُ لَهَدَاهُ الله تَعَالَى بِمُوسَى."
كَمَا هَدَى بهِ امْرَأَتَهُ"."
قال: فأرسلت إلى من حولها من كل امرأة لها لبن لتختار له ظِئراً ، فجعل كلما أخذته امرأة منهن لترضعه لم يقبل من ثديها ، حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت ، فأحزنها ذلك ثم أمرت به فأخرج إلى السوق واجتمع الناس ترجوا أن تجد له ظئراً تأخذه منها ، فلم تجد فأصبحت أم موسى والهاً ، فقالت لأخته قصي أثره فاطلبيه.
هل تسمعين له ذكراً أحيٌّ ابني ، أم قد أكلته الدواب في البحر؟ فبصرت به عن جنب ، أي: عن بعد.
والجنب أن يسمو بصر الإنسان إلى شيء بعيد ، وهي إلى جنبه لا يشعر بها فقالت: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المراضع مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ على أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصحون} [القصص: 12] فقالوا وما يدريك ما نصحهم له ، وهل يعرفونه؟ حتى شكوا في ذلك وذلك من الفتون يا ابن جبير.
فقالت: نصحهم له وشفقتهم عليه ، لرغبتهم في الملك ورجاء منفعته.
فتركوها فانطلقت إلى أمها ، فأخبرتها بالخبر ، فجاءت فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها ، فمصه حتى امتلأ جنباه ريّاً ، فانطلق البشرى إلى امرأة فرعون يبشرونها بأن قد وجدنا لابنك ظئراً ، فأرسلت إليها فأتت به وبها.
فلما رأت ما تصنع به ، قالت لها: امكثي عندي ترضعين ابني ، فإني لم أحب مثل حبه شيئاً قط.