{الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً} أي: فراشاً: {وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى} أي: أصنافاً من نبات مختلفة الأجناس ، في الطعم والرائحة والشكل والنفع .
لطيفة:
جعل الزمخشري قوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا} من باب الالتفات . وناقشه الناصر ؛ بأن الالتفات إنما يكون في كلام المتكلم الواحد . يصرّف كلامه على وجوه شتى . وما نحن فيه ليس كذلك . فإن الله تعالى حكى عن موسى عليه السلام قوله لفرعون: {عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى} ثم قوله: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً} إلى قوله: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى} فإما أن يجعل من قول موسى ، فيكون باب قول خواص الملك: أمرنا وعمرنا وإنما يريدون الملك ، وليس هذا بالتفات . وإما أن يكون كلام موسى قد انتهى عند قوله: {وَلا يَنْسَى} ثم ابتدأ الله تعالى وصف ذاته بصفات إنعامه على خلقه ، فليس التفاتاً أيضاً . وإنما هو انتقال من حكاية إلى إنشاء خطاب . وعلى هذا التأويل ينبغي للقارئ أن يقف وُقَيْفَة عند قوله: {وَلا يَنْسَى} ليستقر بانتهاء الحكاية . ويحتمل وجهاً آخر وهو ؛ أن موسى وصف الله تعالى بهذه الصفات على لفظ الغيبة . فقال: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى} فلما حكاه الله تعالى عنه , أسند الضمير إلى ذاته . لأن الحاكي هو المحكي في كلام موسى . فمرجع الضميرين واحد . وهذا الوجه وجه حسن رقيق الحاشية . وهذا أقرب الوجوه إلى الالتفات . لكن الزمخشري لم يعنه . والله أعلم . انتهى كلام الناصر .