وأما قوله: (إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ) بإضافة اسمه تعالى إلى ضمير الخطاب، فإنه يناسب من حيث ما فيه من (التلطف) والرفق لما تقدمه من قوله تعالى (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا) (طه: 44) ، وقد تفسر هذا القول وتبين ما فيه من التلطف بقوله تعالى في سورة النازعات: (فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى) (النازعات: 18 - 19) ، وناسب هذا ما بنيت عليه سورة طه من تأنيس نبينا صلى الله عليه وسلم وتأميس موسى كليمه صلى الله عليه وسلم بقوله: (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى) (طه: 13) وما بعد إلى قوله تعالى: (قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى) (طه: 36) وما بعد، فلما كان بناء هذه السورة بجملتها على التلطلف (والتأنيس ناسب ذلك ما أمر به موسى، عليه السلام، من دعاء فرعون آنسه وألطفه) ، وأمر موسى، عليه السلام، وأخوه هارون بذلك فقيل لهما: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا) ، وجرى على ذلك (قوله) : (إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ) ، فأشعرت هذه الإضافة بالتلطف الرباني، ولما لم تكن سورة الشعراء مبنية على ما ذكر، وإنما تضمنت تعنيف فرعون وملئه وإغراقهم وأخذ المكذبين للرسل بتكذيبهم، وهذا في طرف من التلطف، ورد فيها:(فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ
الْعَالَمِينَ)بإضافة اسمه سبحانه (إلى العالمين) ليحصل منه أنه مالك الكل وأنهم تحت قهره تعالى وفي قبضته، وعدل عن الإضافة إلى ضمير الخطاب إذ لم يقصد هنا ما تقدم من التلطف، ونظير الوارد في هاتين الآيتين قوله تعالى في سورة الأنعام: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ) (الأنعام: 137) ، فقف على ذلك في سورة الأنعام، وقد تبين جليل النظم وعلي التناسب في كل ما تقدم، وأن عكس الوارد في هذه الآي لا يناسب، والله سبحانه أعلم. انتهى انتهى. {ملاك التأويل صـ 338 - 340}