وقال أبو بكر الأنباري: وتفسير للآية آخر:"إِن الساعة آتية أكاد"انقطع الكلام على"أكاد"وبعده مضمر أكاد آتي بها ، والابتداء"أُخفيها لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ".
قال ضابئ البُرْجميّ:
هَممْتُ ولم أَفعلْ وكِدتُ وليتَنِي ...
تَركتُ على عثمانَ تَبْكِي حَلاَئِلُهْ
أراد وكدت أفعل ، فأضمر مع كدت فعلاً كالفعل المضمر معه في القرآن.
قلت: هذا الذي اختاره النحاس ؛ وزيف القول الذي قبله فقال يقال: خَفى الشيءَ يخفيه إذا أظهره ، وقد حكى أنه يقال: أخفاه أيضاً إذا أظهره ، وليس بالمعروف ؛ قال: وقد رأيت علي بن سليمان لما أشكل عليه معنى"أُخْفيها"عدل إلى هذا القول ، وقال: معناه كمعنى"أَخْفيها".
قال النحاس: ليس المعنى على أظهرها ولا سيما و"أَخْفيها"قراءة شاذة ، فكيف تردّ القراءة الصحيحة الشائعة إلى الشاذة ، ومعنى المضمر أولى ؛ ويكون التقدير: إن الساعة آتية أكاد آتي بها ؛ ودل"آتية"على آتي بها ؛ ثم قال:"أُخْفيها"على الابتداء.
وهذا معنى صحيح ؛ لأن الله عز وجل قد أخفى الساعة التي هي القيامة ، والساعة التي يموت فيها الإنسان ليكون الإنسان يعمل ، والأمر عنده مبهم ، فلا يؤخر التوبة.
قلت: وعلى هذا القول تكون اللام في"لِتجزى"متعلقة ب"أُخفِيها".
وقال أبو علي: هذا من باب السلب وليس من باب الأضداد ، ومعنى"أُخفِيها"أزيل عنها خفاءها ، وهو سترها كخِفاء الأخفية (وهي الأكسية) والواحد خفاء بكسر الخاء (ما تلف به) القربة ، وإذا زال عنها سترها ظهرت.
ومن هذا قولهم: أشكيته ، أي أزلت شكواه ، وأعديته أي قبلت استعداءه ولم أحوجه إلى إعادته.
وحكى أبو حاتم عن الأخفش: أن"كاد"زائدة مؤكدة.
قال: ومثله {إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} [النور: 40] لأن الظلمات التي ذكرها الله تعالى بعضها يحول بين الناظر والمنظور إليه.