والثاني: أنه قيل: وما تصنع بها ، فقال: أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى ، أجمل القول للهيبة التي علته.
وكان طول عصاه عشرة أذرع ، ولها شعبتان ومحجن ، وفي أسفلها سنان ، وكانت من آس الجنة ، فإذا طالت الشجرة جناها بالمحجن ، فإذا أراد أن يكسر شيئاً منها لواه بالشعبتين ، وكان يقاتل بها السباع ، وإذا ورد ماء فقصر رشاؤُه وصله بها فشده في محجنها ، وإذا حصل في البرية ركزها وألقى عليها كساءه ، فاستظل بها ، وإذا سار
ألقاها على عاتقه ، فعلق بها قوسه وكنانته وثوبه وجلْبابه ، هذه مآرب موسى.
وما ذكر أنها كانت تماشيه ، وتحدث وكان يضرب بها الأرض ، فتخرج
ما يأكل يومه ، ويركزها فتخرج الماء ، وإذا رفعها ، ذهب الماء ، وإذا ظهر عدو حاربت وناضلت عنه ، وإذا أراد الاستقاء من البئر أدلاها ، فكانت طول البئر ، وصارت شعبتاها كالدلو حين يستقى ، وكان يظهر على شعبتيها
كالشمع بالليل يضيء له ويهتدي به ، وإذا اشتهى ثمراً من الثمار.
ركزها ، فتغصنت غصن تلك الشجرة ، وأورقت ورقها ، وأثمرت ثمرها.
وأمثال هذه ، حتى زعموا أنها تبلغ ألفاً ، فليست من جملة قوله: (وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى) ، لأن هذه معجزات ظهرت لموسى بعد تلك الليلة.
وبعد تلك المقالة (1) . والله أعلم.
وواحد المآرب مأربة ، بالحركات الثلاث.
وقوله: (أُخْرَى) ولم يقل: (أُخر) حملا على تأنيث الجمع ومراعاة
لروي الآية ، ومثلها في السورة (الأسماء الحسنى) و (آياتنا الكبرى)
في أحد الوجهين.
قوله: (حَيَّةٌ تَسْعَى) .
الحية للجنس ، و"الجان"أول حالاتها في الصغر ، والثعبان آخر
حالاتها ، وهي أعظم ما يكون.
الغريب: إذا ألقاها في خلوة (جاناً) وإذا ألقاها عند فرعون وعند
الحرة ، صارت ثعباناً.
وقوله: (تَسْعَى) ، تمشي سريعا ، فمرت بشجرة فأكلتها وبصخرة
فابتلعتها ، فهال موسى ما رآه ، وولى هارباً خوفاً.
وقوله: (سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى) .
أي سنردها إلى خلقتها وهيئتها ، وتقديره ، إلى سيرتها ، فحذف الجار.
(1) أقوال في غاية البعد لا يدلُّ عليها كتابٌ ولا سنةٌ.