قوله تعالى: (قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى(123)
قال الفخر:
اعْلَمْ أَنَّ عَلَى أَوَّلِ هَذِهِ الْآيَةِ سُؤَالًا وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ: اهْبِطا، إِمَّا أَنْ يَكُونَ خِطَابًا مَعَ شَخْصَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فَإِنْ كَانَ خِطَابًا لِشَخْصَيْنِ فَكَيْفَ قَالَ بَعْدَهُ: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً) وَهُوَ خِطَابُ الْجَمْعِ وَإِنْ كَانَ خِطَابًا لِأَكْثَرَ مِنْ شَخْصَيْنِ فَكَيْفَ قَالَ: (اهْبِطا) ؟
وَذَكَرُوا فِي جَوَابِهِ وُجُوهًا:
أَحَدُهَا: قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: الْخِطَابُ لِآدَمَ وَمَعَهُ ذُرِّيَّتُهُ وَلِإِبْلِيسَ وَمَعَهُ ذُرِّيَّتُهُ فَلِكَوْنِهِمَا جِنْسَيْنِ صَحَّ قَوْلُهُ: (اهْبِطا) وَلِأَجْلِ اشْتِمَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْجِنْسَيْنِ عَلَى الْكَثْرَةِ صَحَّ قَوْلُهُ: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ)
ثَانِيهَا: قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : لَمَّا كَانَ آدَمُ وَحَوَّاءُ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ أَصْلًا لِلْبَشَرِ وَالسَّبَبِ اللَّذَيْنِ مِنْهُمَا تَفَرَّعُوا جُعِلَا كَأَنَّهُمَا الْبَشَرُ أَنْفُسُهُمْ فَخُوطِبَا مُخَاطَبَتَهُمْ فَقَالَ: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ) عَلَى لَفْظِ الْجَمَاعَةِ.
أَمَّا قَوْلُهُ: (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) فَقَالَ الْقَاضِي: يَكْفِي فِي تَوْفِيَةِ هَذَا الظَّاهِرِ حَقَّهُ أَنْ يَكُونَ إِبْلِيسُ وَالشَّيَاطِينُ أَعْدَاءً لِلنَّاسِ وَالنَّاسُ أَعْدَاءً لَهُمْ، فَإِذَا انْضَافَ إِلَى ذَلِكَ عَدَاوَةُ بَعْضِ الْفَرِيقَيْنِ لِبَعْضٍ لَمْ يَمْتَنِعْ دُخُولُهُ فِي الْكَلَامِ.