وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ، قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا: أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ مِنَّا وَمِنْكُمْ أَوْسَعُ عَيْشًا، وَأَنْعَمُ بَالًا، وَأَفْضَلُ مَسْكَنًا، وَأَحْسَنُ مَجْلِسًا، وَأَجْمَعُ عَدَدًا وَغَاشِيَةُ فِي الْمَجْلِسِ، نَحْنُ أَمْ أَنْتُمْ؟
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: الْمَقَامُ: الْمَسْكَنُ، وَالنَّدِيُّ: الْمَجْلِسُ وَالنِّعْمَةُ وَالْبَهْجَةُ الَّتِي كَانُوا فِيهَا، وَهُوَ كَمَا قَالَ اللَّهُ لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ، حِينَ أَهْلَكَهُمْ وَقَصَّ شَأْنَهُمْ فِي الْقُرْآنِ فَقَالَ: {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ}
فَالْمَقَامُ: الْمَسْكَنُ وَالنَّعِيمُ، وَالنَّدِيُّ: الْمَجْلِسُ وَالْمَجْمَعُ الَّذِي كَانُوا يَجْتَمِعُونَ فِيهِ، وَقَالَ اللَّهُ فِيمَا قَصَّ عَلَى رَسُولِهِ فِي أَمْرِ لُوطٍ إِذْ قَالَ {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ} وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْمَجْلِسَ: النَّادِي.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (74) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَكَمْ أَهْلَكْنَا يَا مُحَمَّدُ قَبْلَ هَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ لِلْمُؤْمِنِينَ، إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا، وَأَحْسَنُ نَدِيًّا، مَجَالِسَ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَكْثَرُ مَتَاعَ مَنَازِلٍ مِنْ هَؤُلَاءٍ، وَأَحْسَنُ مِنْهُمْ مَنْظَرًا وَأَجْمَلُ صُوَرًا، فَأَهْلَكْنَا أَمْوَالَهُمْ، وَغَيَّرْنَا صُوَرَهُمْ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبَدَةَ:
[البحر الطويل]
كُمَيْتٌ كَلَوْنِ الْأُرْجُوَانِ نَشَرْتُهُ ... لِبَيْعِ الرِّئِيِّ فِي الصُّوَانُ الْمُكَعَّبُ
يَعْنِي بِالصُّوَانِ: التَّخْتُ الَّذِي تُصَانُ فِيهِ الثِّيَابُ.
عَنْ قَتَادَةَ: {أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا} أَيْ أَكْثَرُ مَتَاعًا وَأَحْسَنُ مَنْزِلَةً وَمُسْتَقَرًّا، فَأَهْلَكَ اللَّهُ أَمْوَالَهُمْ، وَأَفْسَدَ صُوَرَهُمْ عَلَيْهِمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.