(كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا(79)
ويذكر المحدثون جميعا أن سبب نزول هذه الآية أن خباب بن الأرت المؤمن الذي عُذب في سبيل الله كان قينا، أي حدادا فصنع للعاص بن وائل شيئا فطالبه بأجرته، فلم يعطه حتى يكفر بمحمد فقال: لَا، فقال: إنكم تقولون إنكم ستبعثون، وسيكون لي ذهب فإني معطيك منه، فنزلت هذه الآيات. وقد رد الله تعالى كلامه فقال سبحانه: (سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا) وإن ما يقوله مكتوب في علم اللَّه تعالى الذي لَا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا يحصيها فكيف يقال: (سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ) بالسين التي تؤكد الكتابة في المستقبل، واللَّه به عليم، وقد أجاب الزمخشري عن ذلك بأن معنى (سَنَكْتُبُ) ، أي سنظهر المكتوب، وأحسب أن معنى (سَنَكْتُبُ) ، أي سنكتبه في كتابه الذي يقرأ عليه والذي ينطق بسيئاته حجة عليه قائمة لَا يكون له سبيل لإنكاره، أي نسجِّله عليه في صكِّه المنشور يوم القيامة.
ونمد له في غروره مدا، وسمي ذلك عذابا؛ لأنه سبب لعذابه، فذكر المسبب وأريد السبب، وذلك جائز في المجاز المرسل واللَّه تعالى أعلم. ثم يقول تعالى:
(وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا(80)
(وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ) ، أي نجعل ما يقول خلفا يتركه في الدنيا ويأتينا يوم القيامة فردا: منفردا عن ماله وولده، (مَا يَقولُ) : هو الذي تألّى أن يكون له مال وولد ليكونا زينته في الحياة الدنيا فهو يعطاهما، ولكن يخلفها من بعده ويتركهما حيث كانا في الدنيا، ويجيء منفردا، كما قال تعالى: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُم أَوَّلَ مَرَّةٍ. . .) ، فلا مالا ولا ولد يبقى، إنما الباقيات الصالحات كما قال تعالى. ويصح أن نقول: إن ما يقول هو دعاء الأنداد والإشراك باللَّه تعالى، وفتنة المؤمنين في دينهم، وادعاؤه أنه أولى بالنجاة من المؤمنين إن كانت، وإنكاره البدث، وقوله: (. . . أَئِذَا كنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ. . .) .