مما لا يليق بجزالة النظمِ الكريم ، والفاءُ لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، فإن ما ذكرَه عليه الصلاة والسلام من كِبَر السنِّ وضَعف القُوى وعقرِ المرأة موجبٌ لانقطاع رجائِه عليه السلام عن حصول الولدِ بتوسط الأسبابِ العادية واستيهابِه على الوجه الخارِق للعادة ، ولا يقدح في ذلك أن يكون هنا داعٍ آخرُ إلى الإقبال على الدعاء المذكورِ من مشاهدته عليه السلام للخوارق الظاهرةِ في حق مريمَ كما يُعرب عنه قوله تعالى: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} الآية ، وعدمُ ذكرِه هاهنا للتعويل على ذكره هناك كما أن عدمَ ذكر مقدمةِ الدعاء هناك للاكتفاء بذكره هاهنا ، فإن الاكتفاءَ بما ذكر في موطن عما تُرك في موطن آخرَ من النكت التنزيلية.
وقوله تعالى: {يَرِثُنِى} صفةٌ لولياً ، وقرئ هو وما عطف عليه بالجزم جواباً للدعاء ، أي يرثني من حيث العلمُ والدينُ والنبوةُ فإن الأنبياءَ عليهم الصلاة والسلام لا يورِّثون المالَ ، قال صلى الله عليه وسلم:
"نحن معاشرَ الأنبياءِ لا نورَث ، ما تركنا صدقةٌ"وقيل: يرثني الحُبورة وكان عليه السلام حِبْراً.