وقد يُؤوَّل هذا بمعنى ؛ لا نُورث الذي تركنا صدقة ؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يخلّف شيئاً يورث عنه ؛ وإنما كان الذي أباحه الله عز وجل إياه في حياته بقوله تبارك اسمه: {واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} [الأنفال: 41] لأن معنى"لله"لسبيل الله ، ومن سبيل الله ما يكون في مصلحة الرسول صلى الله عليه وسلم ما دام حياً ؛ فإن قيل: في بعض الروايات"إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة"ففيه التأويلان جميعاً ؛ أن يكون"ما"بمعنى الذي.
والآخر لا يورث من كانت هذه حاله.
وقال أبو عمر: واختلف العلماء في تأويل قوله عليه السلام:"لا نورث ما تركنا صدقة"على قولين: أحدهما: وهو الأكثر وعليه الجمهور أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لا يورث وما ترك صدقة.
والآخر: أن نبينا عليه الصلاة والسلام لم يُورَث ؛ لأن الله تعالى خصه بأن جعل ماله كله صدقة زيادة في فضيلته ، كما خُصَّ في النكاح بأشياء أباحها له وحرمها على غيره ؛ وهذا القول قاله بعض أهل البصرة منهم ابن عُلَية ، وسائر علماء المسلمين على القول الأوّل.
الثالثة: قوله تعالى: {مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} قيل: هو يعقوب إسرائيل ، وكان زكريا متزوجاً بأخت مريم بنت عمران ، ويرجع نسبها إلى يعقوب ؛ لأنها من ولد سليمان بن داود وهو من ولد يهوذا بن يعقوب ، وزكريا من ولد هارون أخي موسى ، وهارون وموسى من ولد لاوي بن يعقوب ، وكانت النبوّة في سبط يعقوب بن إسحاق.
وقيل: المعنيُّ بيعقوب هاهنا يعقوب بن ماثان أخو عمران بن ماثان أبي مريم أخوان من نسل سليمان بن داود عليهما السلام ؛ لأن يعقوب وعمران ابنا ماثان ، وبنو ماثان رؤساء بني إسرائيل ؛ قاله مقاتل وغيره.
وقال الكلبي: وكان آل يعقوب أخواله ، وهو يعقوب بن ماثان ، وكان فيهم الملك ، وكان زكريا من ولد هارون بن عمران أخي موسى.