وهذه وسيلة حسنة ؛ أن يتَشفَّع إليه بنعمه ، ويستدر فضله بفضله ؛ يروى أن حاتم الجود لقيه رجل فسأله ؛ فقال له حاتم: من أنت؟ قال: أنا الذي أحسنتَ إليه عام أول ؛ فقال: مرحباً بمن تَشفَّع إلينا بنا.
فإن قيل: كيف أقدم زكريا على مسألة ما يخرق العادة دون إذن؟ فالجواب أن ذلك جائز في زمان الأنبياء.
وفي القرآن ما يكشف عن هذا المعنى ؛ فإنه تعالى قال: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يامريم أنى لَكِ هذا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله إنًّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37] فلما رأى خارق العادة استحكم طمعه في إجابة دعوته ؛ فقال تعالى: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} [آل عمران: 38] الآية.
السابعة: إن قال قائل: هذه الآية تدل على جواز الدعاء بالولد ، والله سبحانه وتعالى قد حذرنا من آفات الأموال والأولاد ، ونبه على المفاسد الناشئة من ذلك ؛ فقال: {إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} [التغابن: 15] .
{إِنَّ مِنْ أزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحذَرُوهُمْ} [التغابن: 14] .
فالجواب أن الدعاء بالولد معلوم من الكتاب والسنة حسب ما تقدّم في"آل عمران"بيانه.
ثم إن زكريا عليه السلام تحرز فقال: {ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} وقال: {واجعله رَبِّ رَضِيّاً} .
والولد إذا كان بهذه الصفة نفع أبويه في الدنيا والآخرة ، وخرج من حدّ العداوة والفتنة إلى حدّ المسرة والنعمة.
وقد"دعا النبي صلى الله عليه وسلم لأنس خادمه فقال:"اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته"فدعا له بالبركة تحرزاً مما يؤدّي إليه الإكثار من الهلكة."