الثالثة: قوله تعالى: {إِذْ نادى رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً} مثل قوله: {ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المعتدين} [الأعراف: 55] وقد تقدّم.
والنداء الدعاء والرغبة ؛ أي ناجى ربه بذلك في محرابه.
دليله قوله: {فَنَادَتْهُ الملائكة وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي المحراب} [آل عمران: 93] فبيّن أنه استجاب له في صلاته ، كما نادى في الصلاة.
واختلف في إخفائه هذا النداء ؛ فقيل: أخفاه من قومه لئلا يلام على مسألة الولد عند كبر السن ؛ ولأنه أمر دنيوي ، فإن أجيب فيه نال بغيته ، وإن لم يجب لم يعرف بذلك أحد.
وقيل: مخلصاً فيه لم يطلع عليه إلا الله تعالى.
وقيل: لما كانت الأعمال الخفية أفضل وأبعد من الرياء أخفاه.
وقيل:"خَفِيًّا"سِرًّا من قومه في جوف الليل ؛ والكل محتمل والأوّل أظهر ؛ والله أعلم.
وقد تقدّم أن المستحب من الدعاء الإخفاء في سورة"الأعراف"وهذه الآية نص في ذلك ؛ لأنه سبحانه أثنى بذلك على زكريا.
وروى إسماعيل قال: حدّثنا مسدد قال: حدّثنا يحيى بن سعيد عن أسامة بن زيد عن محمد بن عبد الرحمن وهو ابن أبي كبشة عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن خير الذكر الخفيّ وخير الرزق ما يكفي"وهذا عام.
قال يونس بن عبيد: كان الحسن يرى أن يدعو الإمام في القنوت ويؤمن من خلفه من غير رفع صوت ، وتلا يونس {إِذْ نادى رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً} .
قال ابن العربي: وقد أسر مالك القنوت وجهر به الشافعي ، والجهر به أفضل ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو به جهراً.
قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ العظم مِنِّي} فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ} قرئ"وَهَنَ"بالحركات الثلاث أي ضعف.
يقال: وهَنَ يَهِن وَهْنا إذا ضعف فهو واهنٌ.
وقال أبو زيد يقال: وَهَن يَهِن ووَهِن يَوْهَن.