قوله تعالى: {قال ربِّ إِني وهن العظم منِّي} وقرأ معاذ القارئ ، والضحاك:"وَهُن"بضم الهاء ، أي: ضَعُف.
قال الفراء: وغيره: وَهَن العظم ، ووَهِن ، بفتح الهاء وكسرها ؛ والمستقبل على الحالين كليهما: يَهِن.
وأراد أن قوَّة عظامه قد ذهبت لِكبَره ؛ وإِنما خصّ العظم ، لأنه الأصل في التركيب.
وقال قتادة: شكا ذهاب أضراسه.
قوله تعالى: {واشتعل الرأس شيباً} يعني: انتشر الشيب فيه ، كما ينتشر شعاع النار في الحطب ، وهذا من أحسن الاستعارات.
{ولم أكن بدعائك} أي: بدعائي إِياكَ {ربِّ شقياً} أي: لم أكن أتعب بالدعاء ثم أُخيَّب ، لأنك قد عودتَني الإِجابة ؛ يقال: شقي فلان بكذا: إِذا تعب بسببه ، ولم ينل مراده.
قوله تعالى: {وإِني خِفتُ الموالي} يعني: الذين يلونه في النسب ، وهم بنو العم والعَصبة {من ورائي} أي: من بعد موتي.
وفي ما خافهم عليه قولان.
أحدهما: أنه خاف أن يَرِثوه ، قاله ابن عباس.
فإن اعترض عليه معترض ، فقال: كيف يجوز لنبيّ أن يَنْفَس على قراباته بالحقوق المفروضة لهم بعد موته؟
فعنه جوابان.
أحدهما: أنه لما كان نبيّاً ، والنبيّ لا يورث ، خاف أن يرِثوا ماله فيأخذوا ما لا يجوز لهم.
والثاني: أنه غلب عليه طبع البشر ، فأحبَّ أن يتولَّى مالَه ولدُه ، ذكرهما ابن الأنباري.
قلت: وبيان هذا أنه لا بد أن يتولَّى ماله وإِن ولم يكن ميراثاً ، فأحبَّ أن يتولاه ولده.
والقول الثاني: أنه خاف تضييعهم للدِّين ونبذهم إِيّاه ، ذكره جماعة من المفسرين.
وقرأ عثمان ، وسعد بن أبي وقاص ، وعبد الله بن عمرو ، وابن جبير ، ومجاهد ، وابن أبي شريح عن الكسائي:"خَفَّت"بفتح الخاء وتشديد الفاء على معنى"قلَّت"؛ فعلى هذا يكون إِنما خاف على عِلْمه ونبوَّته ألاَّ يُورَثا فيموت العِلْم.
وأسكن ابن شهاب الزهري ياء"المواليْ".