وقال الزمخشري: فإن قلت: هلا عدي اصطبر بـ (على) التي هي صلته، كقوله (وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) ؟ قلت: لأن العبادة جعلت بمنزلة القرن في قولك للمحارب: اصطبر لقرنك، أي اثبت له فيما يورد عليك من الشدائد، يريد أن العبادة تورد عليك شدائد ومشاق، فاثبت لها ولا تَهِن، ولا يَضِق صدرك عن إلقاء عداتك من أهل الكتاب إليك الأغاليط، وعن احتباس الوحي عليك مدة، وشماتة المشركين بك.
أقول: اصطبر على وزن افتعل، ومن معاني هذه الصيغة: الاجتهاد والطلب. تقول: اكتسب: اجتهد في طلب الكسب، والاجتهاد في طلب الصبر هو السكينة والراحة والطمأنينة المتعدية باللام، وبذلك يؤدي الغرض من العبادة، ويصل إلى المطلوب من السكن والسكينة وبرد اليقين.
العبادة تكاليف ... فليرتفع في كل حركاته وسكناته ونياته إلى أفق العبادة الوضيء الشفيف، أفق المثول بين يدي المعبود، إنه لمنهج يحتاج إلى مصابرة لما فيه من مشقة ومكابدة ومعاناة. وبهذه اللام جمع إلى المصابرة سكينة النفس وراحة الضمير وطمأنينة القلب إذ ليس لهذا المعبود من نظير، فكيف لا تسكن النفوس إليه وترتاح القلوب بين يديه؟!
إذا وجدت لهيب الضر في كبدي ... عمدت إلى صلاة الليل أبْتَرِدُ
فإن صح ما رمته وثبت ما قدمته، كان الصبر (المضمن) الذي راضى نفسه فيه وشقت عليه تكاليفه، سبباً في راحة النفس وسكينتها (المضمن فيه) فالعلاقة بين المضمن والمضمن فيه سببية. وبهذا جمع التضمين شعَاع المعنى فصوره في مكابدة الجسد على أشق الأحوال، وفي سكينة النفس على أنزه الصفات، فوسم أغفاله، وأفاء فوارده.
ففي الصبر إطفاءْ لنار صبابة ... هي في الضلوع مضطرم
(فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا(97)
قال القرطبي: بيَّناه بلسانك، وقيل: أنزلناه بلسان العرب ليسهل عليهم فهمه.
وذكر الجمل: أنزلناه ميسرا بلسانك.
وذكر الآلوسي: الباء بمعنى على، أو الباء على أصله وهو الإلصاق لتضمين يسرنا معنى أنزلنا. أي يسرناه منزلين له بلغتك.
وقال الزمخشري: أنزلناه أي بِلُغَتِكَ وسهلناه وفصلناه.