أقول: إن اللَّه مدح كتابه فقال: (عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) وقال: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) لأن مدار الأمر على البيان والتبيين والإفهام والتفهيم، وكلما كان اللسان أبين كان أحمد رغبة منه في غاية الإفصاح بالحجة، والمبالغة في وضوح الدلالة، لتكون العقول عنه أفهم، والنفوس إليه أسرع، وذكر خلابة ألسنتهم واستمالتهم الأسماع لحسن منطقهم فقال: (وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا) فالتضمين جرى في فعل (يسَّر) في معنى (بيَّن وأسهل) وهو يتعدى بالباء فإنما أسهلناه بلسانك
أي أسهلنا لسانك بهذه اللغة الشريفة تيسيرا على الناس لمعرفته وحفظه وصرفا عن الحزونة فلا يشق عليهم فهمه وبيانه. والغرض من التضمين أن يضم المعنيين: التيسير مع التبيين والتسهيل ليفيدهما جميعا، فلولا التضمين لما أسرع الخاطر لإلطاف النظر في هذه الباء التي أرابتنا في دخولها على فعل لا يتعدى بها. أما تضمين (يسرناه) معنى (أنزلناه) ، فما علاقة التيسير بالإنزال؟ فتفطَّن لأسرار الحروف في هذه اللغة الشريفة والتي لا يكاد يحاط بها لتُسلم لعظمة (ذَلِكَ الْكِتَابُ) المستولي على الفضل، والحائز جميع أسباب البلاغة والنبل، متى ظفرت بصفاء القريحة وسلامة الذوق وصحة الطبع وامتلاك الأداة. انتهى انتهى {التضمين النحوي في القرآن الكريم، للدكتور/ محمد نديم فاضل} ...