{لَأَجِدَنَّ} يومئذ {خَيْرًا مِنْها} ؛ أي: من هذه الجنة {مُنْقَلَبًا} تمييز محول عن المبتدأ؛ أي: مرجعًا، وعاقبةً، ومدار هذا الطّمع واليمين الفاجرة اعتقاد أنه تعالى إنّما أولاه في الدنيا لاستحقاقه الذاتي، وكرامته عليه سبحانه، وهو معه أينما توجه، ولم يدر أن ذلك استدراج.
وحاصل معنى الآيتين: أي ودخل هذا الذي جعلنا له جنتين من أعناب، وأشجار، ونخيل، ومعه صاحبه هاتين الجنتين، وطاف به فيهما مفاخرا، وقال حين عاين ما فيهما من أشجار وثمار وزروع وأنهار مطردة: - ما أظن أن تفنى هذه الجنة أبدًا، ولا تخرب كما قال: وهو شاك في المعاد إلى الله والبعث والنشور، ما أظن أن يوم القيامة آت كما تقولون، وقد كان في كل ذلك ظالمًا لنفسه، إذ وضع الشيء في غير موضعه، فقد كان أليق به أن يكون شاكرًا لتلك النعم، متواضعا لربه، لا أن يكون كافرًا به منكرًا لما جاء به الوحي وأقرته جميع الشرائع.
وخلاصة ذلك: أنه لحقه الخسار من وجهين:
1 -ظنه أن تلك الجنة لا تهلك، ولا تبيد مدى الحياة.
2 -ظنه أن يوم القيامة، لن يكون ثمّ تمني أمنية أخرى كان في شك منها، فقال: {وَلَئِنْ رُدِدْتُ} إلخ؛ أي: والله لئن كان معاد ورجعة إلى الله ليكوننّ لي هناك أحسن من هذا الحظ عند ربي، والذي جرّأه على هذا الطّمع، وعلى تلك اليمين الفاجرة، اعتقاده أنّ الله إنما حباه بما حباه به في الدنيا لما له من كرامة لديه، ولما فيه من مزايا استحق بها أن ينال ما نال.
وخلاصة ذلك: أنه لم يعطني هذه الجنة في الدنيا إلا ليعطيني في الآخرة، ما هو أفضل منها، قال ذلك طمعًا، وتمنيًا على الله، وادعاءً للكرامة عنده تعالى كما مرّ.
وقرأ ابن الزبير، وزيد بن علي، وأبو بحرية، وأبو جعفر، وشيبة، وابن محيصن، وحميد، وابن مناذر، ونافع، وابن كثير، وابن عامر، {لأجدنّ خيرا منهما} بالتثنية وعود الضمير على الجنتين، وكذا في مصاحف مكة، والمدينة، والشام، وقرأ الكوفيون، وأبو عمرو {مّنها} على الإفراد، وعود الضمير على الجنة المدخولة، وكذا في مصاحف الكوفة، والبصرة،