وبعد أن تم له الأمر، وقعد على سنام العز والكبرياء، داخله الزهو والخيلاء {فَقالَ} ؛ أي: صاحب الجنّتين {لِصاحِبِهِ} وأخيه المؤمن الذي جعل مثلا للفقراء المؤمنين {وَهُوَ} ؛ أي: والحال أنّ صاحب الجنتين {يُحاوِرُهُ} ؛ أي: يراجع صاحبه، ويكلّمه بالكلام الذي فيه الافتخار بالمال، والخدم، وإنكار البعث والإشراك بالله، من حار إذا رجع {أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا} وعن محمد بن الحسن رحمه الله: المال كل ما يتملكه الإنسان من دراهم، أو دنانير، أو ذهب، أو فضة، أو حنطة، أو خبز، أو حيوان، أو ثياب، أو سلاح، أو غير ذلك، {وَأَعَزُّ نَفَرًا} ؛ أي: أكثر حشمًا، وأعوانًا، وأولادًا ذكورًا لأنهم الذين ينفرون معه دون الإناث، والنفر بفتحتين من الثلاثة إلى العشرة من الرجال، ولا يقال فيما فوق العشرة، وقال صاحب «روح البيان» : لاح لي ههنا إشكال، وهو أنه إن حمل أفعل على حقيقته في التفضيل، يلزم أن يكون الرجلان المذكوران مقدرين لا محقّقين أخوين، لأنه على تقدير التحقيق يقتضي أن لا يكون لأحدهما مال أصلا كما يفصح عنه البيان السابق، وقد أثبت هاهنا الأكثرية للكافر، والأقلية للمؤمن، وجوابه يستنبط من السؤال، والله أعلم بحقيقة الحال انتهى.
والمعنى: أي فقال لصاحبه المؤمن حين حاوره، وراجعه الحديث: أنا أكثر منك مالًا كما ترى، من جنّاتي، وزروعي المختلفة، وأعزّ عشيرةً، ورهطًا تقوم بالذب عني، ودفع خصومي، وتنفر معي عند الحاجة إلى ذلك.
35 -ثم زاد فخرًا على صاحبه المسلم، وأراه عيانًا ما يتمتع به من المناظر البهيجة في تلك الجنان التي لا تفنى في زعمه، وذلك ما أخبر عنه سبحانه بقوله: {وَدَخَلَ} صاحب الجنتين {جَنَّتَهُ} ؛ أي: بستانه مع صاحبه المؤمن يطوف به فيها، ويريه حسنها، ويعجبه منها، ويفاخره بها.