وما ينبغي لأحد أن يستنكر هذا الفرق، فإن الوجود منه هو الموافق للصواب والحكمة إذ كان الاعتراف بالله جل جلاله، لابد من أن يسبق حتى يصح القبول عنه وطاعته وعبادته من بعد، والاعتراف بالنبي كذلك لأنه يسبق، ثم تكون متابعته والقبول عنه، ولو تجردت المتابعة بفعل ما يأمر به، والانتهاء عما ينهى عنه عن الاعتراف بالنبوة لما سلمت، ولا سلمت نفعت، فكان حقاً أن يعود الأصل من هاتين الخصلتين بإحدى هاتين اللفظتين والتابع منهما بالأخرى.
فيكون التصديق بالله إثباته والاعتراف بوجوده، والتصديق له قبول شرائعه، واتباع فرائضه على أنها صواب وحكمة وعدل، والطاعة له فيها لازمة، والمحافظة على حدوده، والثقة بوعده ووعيده.
وكذلك التصديق بالنبي، غير التصديق له.
فالتصديق به: هو الاعتراف بوجوده وكونه وإثباته نبياً في الجملة.
والتصديق له: اتباعه وطاعته وقبول ما جاء عنه، وكذلك الإيمان بالله: هو الاعتراف به وإثباته: والإيمان له: طاعته واتباع أمره.
وعلى هذا الإيمان بالله أو بالنبي، إيمان بالدلائل التي دلت عليه، لأنه قبول لدلالتها عنها، وانقياد لموجبها.
والإيمان بالكتاب إيمان للدلائل التي دلت على أنه من عند الله.
فأما إذا قلت: «آمنت بالكتاب» ، لم تكن دللت على أكثر من أنك أثبته كتاباً لله تعالى، والإيمان بالنبي إيمان لله لأنه قبول لدلالته التي أيده بها، وطاعة له فيما أتى به من عنده، والإيمان بالله إيمان بالنبي لأنه إجابة لدعوته ومتابعة له على مقالته.
وقد يجوز أن يقول: آمنت للكتاب والتزمت العمل بأمره ووعيده.
فإن قال قائل: فما يمنع أن يكون الإيمان بالله إيماناً لله؟ لأن الإيمان بالله من فرائض الله، وطاعته فيها إيمان له، والإيمان بالنبي إيمان للنبي لأنه مؤمن بنفسه كما هو مؤمن بالله، والإقرار له بذلك متابعة له على ما هو عنده، فرجع الأمر: إلى أن الإيمان بمن يضاف الإيمان إليه والإيمان له سواء، فالفرق بينهما ساقط!
فالجواب: إنا لا ننكر أن يكون هذا هكذا إذا كان أحد هذين المعنيين مضافاً إلى صيغة اللفظ الآخر وإلى تأويله!
وإنما ينكر أن يكون جميعاً مضافين إلى صيغة اللفظ إذا كانت الشواهد التي تقدم ذكرها تشهد بأن كل واحدة من اللفظتين موضوعة لغير ما وضعت له الأخرى.