ووجه الزمخشري الإتيان بأداة التقليل على هذا بأنه وارد على مذهب العرب في قولهم: لعلك ستندم على فعلك وربما ندم الإنسان على ما فعل ولا يشكون في تندمه ولا يقصدون تقليله ولكنهم أرادوا لو كان الندم مشكوكاً فيه أو قليلاً لحق عليك أن لا تفعل هذا الفعل لأن العقلاء يتحرزون من التعرض للغم المطنون كما يتحرزون من التعرض للغم المتيقن ومن القليل منه كما من الكثير ، وكذلك المعنى في الآية لو كانوا يودون الإسلام مرة واحدة بالبحري أن يسارعوا إليه فكيف وهم يودونه في كل ساعة اهـ.
والكلام عليه على ما قيل من الكناية الإيمامية وفي لك من المبالغة ما لا يخفى ، قال ابن المنير: لا شك أن العرب تعبر عن المعنى بما يؤدي عكس مقصوده كثيراً ، ومنه والله تعالى أعلم {قَدْ تَّعْلَمُونَ أَنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ} [الصف: 5] المقصود منه توبيخهم على أذاهم لموسى عليه السلام على توفر علمهم برسالته ومناصحته لهم ، وقوله:
قد أترك القرن مصفراً أنامله...
فإنه إنما يتمدح بالإكثار من ذلك وقد عبر بقد المفيدة للتقليل ، وقد اختلف توجيه علماء البيان لذلك فمنهم من وجهه بما ذكر عن الزمخشري من التنبيه بالأدنى على الأعلى ، ومنهم من وجهه بأن المقصود في ذلك الإيذان بأن المعنى قد بلغ الغاية حتى كاد أن يرجع إلى الضد وذلك شأن كل ما بغل نهايته أن يعود إلى عكسه ، وقد أفصح المتنبي عن ذلك بقوله:
ولجدت حتى كدت تبخل حائلا...
للمنتهى ومن السرور بكاء