وقد كان ما أخبر الله به فقد ندم كل من أسلم من الصحابة على تأخير إسلامه لما علموا فضل الإسلام ورأوا فضائل السابقين - كما هو مذكور في السير وفتوح البلدان وسيكون ما شاء من ذلك في القيامة وما قبلها ، فالمعنى أنكم إن كذبتم في القطع - في نحو قوله {فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا} [إبراهيم: 44] ، الآية - بأنكم ترجعون عن هذا الشمم وتتبرؤون من هذه السجايا والهمم فتسألون الله تعالى في الطاعة ، وقد فات الفوت بحلول حادث الموت إلى غيره ، فلا أقل من أن يكون عندكم شك في الأمور التي يجوز كونها ، ولا ينبغي حينئذ للعاقل ترك الاهتمام بالاستعداد على تقدير هذا الاحتمال ، هذا - أعني التقليل - مدلول"رب"، وقال بعضهم: إنها قد ترد للتكثير ، وقال الجمال ابن هشام في كتاب المغني: إنه أغلب أحوالها ، واستدل بشواهد لا تدل عند التأمل.
ولا يصح قول من نسب إلى الكشاف ذلك ، فإن كلامه مأخوذ من الزجاج ، وعبارة الزجاج - كما نقلها الإمام جمال الدين محمد بن المكرم في كتابه لسان العرب ومن خطه نقلت: من قال: إن رب يعني بها التكثير فهو ضد ما تعرفه العرب ، فإن قال قائل: فلم جازت في قوله {ربما يود الذين كفروا} و {رب} للتقليل؟ فالجواب أن العرب خوطبت بما تعلمه في التهدد ، والرجل يتهدد الرجل فيقول: لعلك ستندم على فعلك؟ وهو لا يشك أنه يندم ، ويقول: ربما ندم الإنسان على ما صنعت ، وهو يعلم أن الإنسان يندم كثيراً ، ولكن مجازه أن هذا لو كان مما يود في حال واحدة من أحوال العذاب ، أو كان الإنسان يخاف أن يندم على الشيء لوجب عليه اجتنابه ، والدليل عل أنه معنى التهدد قوله تعالى {ذرهم يأكلوا ويتمتعوا} انتهى.