وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: قوله (فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ) [الرحمن: 39] هَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ السُّؤَالُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَلَوْ حَصَلَ السُّؤَالُ فِي جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ ذَلِكَ الْيَوْمِ لَحَصَلَ التَّنَاقُضُ.
وَالوجه الثالث: أن نقول: قوله: (فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ) يفيد عموم النفي
وقوله: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) عَائِدٌ إِلَى الْمُقْتَسِمِينَ وَهَذَا خَاصٌّ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْخَاصَّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ.
(وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ(97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)
اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي أَنَّهُ كَيْفَ صَارَ الْإِقْبَالُ عَلَى هَذِهِ الطَّاعَاتِ سَبَبًا لِزَوَالِ ضِيقِ الْقَلْبِ وَالْحُزْنِ؟
فَقَالَ الْعَارِفُونَ الْمُحَقِّقُونَ إِذَا اشْتَغَلَ الْإِنْسَانُ بِهَذِهِ الْأَنْوَاعِ مِنَ الْعِبَادَاتِ انْكَشَفَتْ لَهُ أَضْوَاءُ عَالَمِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَمَتَى حَصَلَ ذَلِكَ الِانْكِشَافُ صَارَتِ الدُّنْيَا بِالْكُلِّيَّةِ حَقِيرَةً، وَإِذَا صَارَتْ حَقِيرَةً خَفَّ عَلَى الْقَلْبِ فِقْدَانُهَا وَوِجْدَانُهَا فَلَا يَسْتَوْحِشُ مِنْ فِقْدَانِهَا وَلَا يَسْتَرِيحُ بِوِجْدَانِهَا، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَزُولُ الْحُزْنُ وَالْغَمُّ.
وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: مَنِ اعْتَقَدَ تَنْزِيهَ اللَّهِ تَعَالَى عَنِ الْقَبَائِحِ سَهُلَ عَلَيْهِ تَحَمُّلُ الْمَشَاقِّ، فَإِنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ عَدْلٌ مُنَزَّهٌ عَنْ إِنْزَالِ الْمَشَاقِّ بِهِ مِنْ غَيْرِ غَرَضٍ وَلَا فَائِدَةٍ فَحِينَئِذٍ يَطِيبُ قَلْبُهُ، وَقَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ: إِذَا نَزَلَ بِالْعَبْدِ بَعْضُ الْمَكَارِهِ فَزِعَ إِلَى الطَّاعَاتِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: تَجِبُ عَلَيَّ عِبَادَتُكَ سَوَاءً أَعْطَيْتَنِي الْخَيْرَاتِ أَوْ أَلْقَيْتَنِي فِي الْمَكْرُوهَاتِ.
وَقَوْلُهُ: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يُرِيدُ الْمَوْتَ وَسُمِّيَ الْمَوْتُ بِالْيَقِينِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُتَيَقِّنٌ.