وَالثَّالِثُ: أَنَّ النَّكِرَةَ ضِدُّ الْمَعْرِفَةِ فَقَوْلُهُ: (إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) أَيْ لَا أَعْرِفُكُمْ، وَلَا أَعْرِفُ أَنَّكُمْ مِنْ أَيِّ الْأَقْوَامِ، وَلِأَيِّ غَرَضٍ دَخَلْتُمْ عَلَيَّ، فَعِنْدَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ (بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ)
(وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ(89) كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (90) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (91)
قَوْلَهُ: (كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ) يَقْتَضِي تَشْبِيهَ شَيْءٍ بِذَلِكَ فَمَا ذَلِكَ الشَّيْءُ؟
وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الوجه الْأَوَّلُ: التَّقْدِيرُ: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَهُمُ
الْمُقْتَسِمُونَ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ، حَيْثُ قَالُوا بِعِنَادِهِمْ وَجَهْلِهِمْ بَعْضُهُ حَقٌّ مُوَافِقٌ لِلْتَوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَبَعْضُهُ بَاطِلٌ مُخَالِفٌ لَهُمَا فَاقْتَسَمُوهُ إِلَى حَقٍّ وَبَاطِلٍ.
«فَإِنْ قِيلَ» : فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ كَيْفَ توسط بين المشبه والمشبه به قوله: (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ) [الحجر: 88] إِلَى آخِرِهِ؟
قُلْنَا: لَمَّا كَانَ ذَلِكَ تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ وَعَدَاوَتِهِمْ، اعْتَرَضَ بِمَا هُوَ مَدَارٌ لِمَعْنَى التَّسْلِيَةِ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الِالْتِفَاتِ إِلَى دُنْيَاهُمْ وَالتَّأَسُّفِ عَلَى كُفْرِهِمْ.
وَالوجه الثَّانِي: أَنْ يَتَعَلَّقَ هَذَا الْكَلَامُ بِقَوْلِهِ: (وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ) .