{مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ} [إبراهيم: 43] إشارته إلى أنه تعالى جعل سعادة أهل السعادة وشقاوة أهل الشقاوة مودعة في أعمالهم، والأعمال مودعة في أعمالهم ليبلغ كل واحد من الفريقين على قدر أعمالهم الشرعية والطبيعية إلى منزل من منازل السعداء، أو منزل من منازل الأشقياء يوم القيامة فلهذا أخر الظالمين ليزدادوا إثماً يبلغهم منازل الأشقياء.
ثم أكد هذا المعنى بقوله تعالى: {وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} [إبراهيم: 44] يعني أرجعنا إلدنيا {أَخِّرْنَآ} لنطيعك {نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ} كما أخرتنا وألبستنا لازدياد الإثم بمعاصيك في الدنيا.
ثم أجابهم بقوله: {أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ} يشير به إلى المناسخة فإنهم يزعمون ألاّ زوال لهم في الدنيا ولا أحد منهم إذا مات ينقل روحه إلى قالب آخر فأرادوا بهذا الجواب أن لو رجعناكم إلى الدنيا لتحقق عندكم مذهب التناسخ وما أقسمتم من قبل على ما لكم من زوال.
{وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ} [إبراهيم: 45] أي: أقمتم مقامات الظالمين على أنفسهم في السير على قدمي الظلم والمعاصي إلى منازل الأشقياء {وَتَبَيَّنَ لَكُمْ} أي: بعد أن تبين لكم {كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ} أي: بالأشقياء حين نزلهم منازلهم وشاهدتم أحوالهم {وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ} يشير إلى أن الحقائق والمعاني الغيبية لا تتبين إلا بالأمثال كقوله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً} [النحل: 75] .