وقال الإمام ابن كثير ما ملخصه: «يذكر الله - تعالى - في هذا المقام - محتجا على مشركي مكة الذين كانوا يزعمون أنهم على ملة إبراهيم - بأن مكة إنما وضعت أول ما وضعت على عبادة الله - تعالى - وحده، وأن إبراهيم قد تبرأ ممن عبد غير الله، وأنه دعا لمكة بالأمن وقد استجاب الله له فقال - تعالى -: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ .. وقال - تعالى - إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ، فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ... .
وقال صاحب الكشاف: «فإن قلت: أي فرق بين قوله - تعالى - في سورة البقرة رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً ... .
وبين قوله هنا رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً ... ؟.
قلت: قد سأل في الأول أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها ولا يخافون، وسأل في الثاني أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن، كأنه قال: هو بلد مخوف فاجعله آمنا .. ».
وقوله - سبحانه - وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ حكاية لدعوة أخرى من الدعوات التي تضرع بها إبراهيم - عليه السلام - إلى خالقه - سبحانه - .
وقوله «واجنبنى» بمعنى وأبعدنى مأخوذ من قولك جنبت فلانا عن كذا، إذا أبعدته عنه، وجعلته في جانب آخر، وفعله جنب من باب نصر.
والمراد ببنيه: أولاده من صلبه، أوهم من تناسل معهم.
والأصنام جمع صنم، وهو التمثال الذي كان مشركو العرب يصنعونه من الحجر ونحوه لكي يعبدوه من دون الله.
والمعنى: أسألك يا ربي أن تجعل مكة بلدا آمنا، كما أسألك أن تعصمني وتعصم ذريتي من بعدي من عبادة الأصنام، وأن تجعل عبادتنا خالصة لوجهك الكريم.
وقد بين - سبحانه - في آيات أخرى، أنه قد أجابه في بعض ذريته دون بعض.