ولا يقبلُ الصدقةَ إلا من الحلالِ الطيِّب، تَخرُج عن نفسٍ طيِّبةٍ، فيُثِيب عليها الثوابَ الطيِّب، وأطيبُ طيِّبات هذه الدنيا، هو الإيمانُ باللهِ ورسلِه، وكتبِه، وسننِه ورحمتِه، وعدلِه، وحكمتِه، والعمل الصالح بمقتضى ذلك كلِّه، فمَن هُدِي إلى ذلك، فهو المؤمِنُ الطيِّب الذي ضَرَب له رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - المثَلَ بالنَّخلةِ الطيِّبة المُثمِرة، الدائمة الأُكُل، النافعة بكلِّ شيءٍ فيها؛ فقد روى البخاري وغيره، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال:"بينما نحن عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ أُتِي بجُمَّارِ نخلِةٍ، فقال: (( إن من الشجرِ بَرَكتُه كبَرَكةِ المسلمِ ) )، ثم قال: (( هي النخلةُ ) )."
وفى قصة الإفك برَّأ اللهُ الصدِّيقة الطيِّبة المطيَّبة بنتَ الصدِّيق الطيِّب المطيَّب، وزوجَ الرسولِ أطيبِ المطيَّبين - صلى الله عليه وسلم - والتي كان كلُّ ما يُحِيط بها في النشأةِ والطفولةِ وفي الزوجية الكريمةِ، ليس فيه إلا أطيبُ الطيِّبات، فأنزل الله القولَ الطيِّب والبراءةَ الطيِّبة التي تُبعِدُ
عنها كلَّ أنواعِ القَذَر والخبث، فضلاً عن خبث الزنا وفُحْشِه، فقال - سبحانه: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [النور: 26] .
قال الإمام المحقِّق ابن القيم - رحمه الله - في فاتحةِ زاد المعادِ:
والمقصود: أن الله - سبحانه وتعالى - اختار من كلِّ جنسٍ من أجناسِ المخلوقاتِ أطيبَه، واختصه لنفسِه، وارتضاه دونَ غيرِه؛ فإنه - تعالى - طيِّب لا يُحِبُّ إلا الطيِّب، ولا يَقبَل من العملِ والكلامِ والصدقةِ إلا الطيِّب؛ فالطيب من كلِّ شيءٍ هو مختارُه - تعالى - وأما خَلْقُه - تعالى - فعامٌّ للنوعينِ، وبهذا يُعلَمُ عُنْوَان سعادةِ العبدِ وشقاوتِه.